في أحد صباحات شتنبر، استيقظ بعض الزملاء الذين كنت أعمل معهم سابقًا في جريدة ورقية على خبر لم يخبرهم به أحد. لم تكن هناك رسالة رسمية في الليلة السابقة، ولا اجتماع طارئ، ولا مدير جمع الناس ليشرح لهم ما يحدث، ولا حتى محاولة إنسانية بسيطة لتخفيف وقع الصدمة. فقط صباح عادي، في شهر عادي، ذهبوا إلى العمل كما اعتادوا، فاكتشفوا أن الجريدة أُغلقت، وأن الشركة الناشرة توقفت، وأن كل ذلك حدث كما تحدث الأشياء القاسية في عالم الشغل: فجأة، وبلا اعتذار أو شرح، وبلا وقت مناسب كي يفهم الإنسان كيف انتهى جزء من حياته المهنية بهذه البساطة.
كنت قد غادرت قبل ذلك بثلاثة أشهر تقريبًا. لا أقول هذا من باب الذكاء المتأخر، ولا لأبدو كمن كان يرى ما لا يراه الآخرون، لكنني كنت قد بدأت ألتقط إشارات صغيرة لا تقول شيئًا بشكل مباشر، لكنها تقول كل شيء لمن ينتبه. أشياء تتغير في الإيقاع، قرارات لا تُشرح، صمت ثقيل في أماكن كان يفترض أن يكون فيها كلام، ارتباك في التفاصيل اليومية، وذاك الشعور الذي تعرفه جيدًا حين تكون داخل مركب بدأ يميل قليلًا، بينما لا يزال الجميع يتظاهرون أن البحر هادئ. في تلك الفترة فهمت أن هناك شيئًا لا يسير كما ينبغي، فاخترت أن أغادر المركب قبل أن يغرق. لم يكن القرار سهلًا، لأن المغادرة قبل النهاية تحتاج شجاعة من نوع آخر. تحتاج أن تصدق الإشارات قبل أن تتحول إلى خبر رسمي، وأن تتحمل نظرات من يراك مبالغًا في القلق، إلى أن يأتي اليوم الذي يثبت لك أن القلق أحيانًا كان مجرد وعي مبكر.
تذكرت تلك القصة صباح الأحد الماضي، كنت جالسا في مقهى كما أفعل أحيانًا عندما أشعر أن الأسبوع مرّ بسرعة أكبر من قدرتي على فهمه. كنت أريد فقط أن أشرب قهوتي ببطء، أفتح حاسوبي، وأحاول ترتيب ما تراكم في رأسي من أفكار وقلق وأسئلة مؤجلة. هناك نوع من الصباحات لا تذهب فيها إلى المقهى لتعمل، بل لتستعيد صوتك الداخلي من ضجيج الأيام.
تراقب الناس دون أن تقصد، تسمع قطعًا صغيرة من حيواتهم، وتكتشف أحيانًا أن جملة عابرة من طاولة قريبة يمكن أن تشرح لك شيئًا كنت تشعر به منذ سنوات دون أن تجد له اسمًا.
كنت جالسًا في زاويتي المعتادة، بين رائحة القهوة وحركة الباب الذي يفتح ويغلق، حين شدّتني محادثة بين شابتين تجلسان على طاولة لا تبعد عني كثيرًا. لم أكن أحاول أن أتنصت، أو ربما كنت أفعل ذلك بالطريقة التي نفعلها جميعًا حين تلمسنا كلمة معينة. سمعت كلمة “جراو عليا”، فتوقف انتباهي هناك. هناك كلمات لا تمر بجانبك بسلام، خصوصًا إذا كنت تعرف معنى أن يرتبط الإنسان بعمله أكثر مما ينبغي، أو أن يرى زميلًا يختفي فجأة من النظام كما لو أنه لم يكن جزءًا من المكان يومًا.
كانت إحداهما تحكي لصديقتها عن اليوم الذي فقدت فيه عملها. قالت إن المديرة اتصلت بها في وقت استراحة الغداء. وحدها هذه التفصيلة كانت كافية لتجعل القصة قاسية. ليست مكالمة في نهاية اليوم، ولا اجتماعًا مجدولا مسبقًا، ولا جلسة فيها قدر من الاحترام لمسار إنسان قضى وقتًا من حياته داخل الشركة. فقط اتصال مفاجئ في منتصف يوم عادي، بينما كانت تحاول أن تأكل شيئًا وتتنفس قليلًا بين المهام اليومية. قالت إن المديرة لا تتصل بها عادة، ولذلك حين ظهر اسمها على الشاشة، فهمت قبل أن تجيب أن شيئًا ما انتهى.
ثم أضافت: “دون أي مقدمات، قالت لي: لم نعد في حاجة إليك في العمل، لذلك رجاءً قومي بإعادة الحاسوب وكل مستلزمات العمل إلى المكتب.”
الغريب لم يكن التسريح نفسه – فنحن لم نعد نُفاجأ بهذا النوع من الأخبار. ما شدّني كان النبرة. لم تكن منكسرة، ولم تكن تتحدث من موقع الخيانة. كان صوتها أقرب إلى الوضوح منه إلى الألم، كأن أكثر ما أزعجها لم يكن أنها فقدت وظيفتها، بل أن المكالمة جاءت في وقت الغداء وقطعت عليها لحظة عادية كانت تستحقها. ربما، على عكس جيلي، لم تدخل العمل بوهم أن الولاء سيقابله ولاء – وربما هذا ما جعلها تستقبل الخبر بهذا الوضوح.
الفرق كبير بين أن تنتهي علاقة وأن تنتهي صلاحية شيء. حين نقول إن علاقة العمل انتهت، فنحن نتحدث عن وعد انكسر، عن وداع، عن خيبة. أما حين نقول إن الصلاحية انتهت، فنحن نتحدث عن أمر إداري، بارد، مجدول بطريقة ما، حتى لو كان التاريخ مخفيًا عنا.
الأمر يشبه علبة حليب في الثلاجة. حين تنتهي صلاحيتها، لا تجلس تسألها لماذا خذلتك. أنت تعرف منذ البداية أن لها تاريخًا مطبوعًا. المشكلة مع الوظيفة أن العلبة تأتي بلا تاريخ ظاهر. أنت لا تعرف متى تنتهي صلاحيتك، لكن في مكان ما – في اجتماع، في ملف، في جدول Excel – قد يكون ذلك التاريخ معروفًا عند غيرك.
هذا بالضبط ما تعلمته من قصة الجريدة. لم يكن الإغلاق قد حدث بعد، لكن التاريخ كان يُكتب في مكان ما. ربما في حسابات الشركة، ربما في قرارات الملاك، ربما في اجتماعات لم يحضرها الصحافيون والمحررون والموظفون الذين كانوا يدخلون كل صباح وهم يظنون أن الجريدة ما زالت جريدتهم، وأن المكان الذي منحوه وقتهم وجهدهم سيمنحهم على الأقل حق المعرفة قبل النهاية. لكن عالم الشغل لا يمنحك دائمًا هذا الحق. أحيانًا يخفي عنك تاريخ الصلاحية إلى آخر لحظة، ويتركك تكتشفه وأنت واقف أمام الباب.
هناك عقد نوقعه في العمل، وهناك عقد آخر لا يظهر في الأوراق. العقد الأول قانوني، واضح، بارد، ومحدود: منصب، راتب، مهام، وساعات عمل. أما العقد الثاني فهو نفسي، وهو الأخطر.
ندخل الشركات ونحن نؤمن ضمنيًا بصفقة غير مكتوبة: سأعطيكم وقتي، جهدي، ولائي، قلقي، وساعات من حياتي لن تعود، وفي المقابل تعطونني الاستقرار، الاعتراف، والنمو، وربما المستقبل. لكن الشركة في كثير من الأحيان لا تقرأ الصفقة بالطريقة نفسها. هي تقول بصمت: سنحتفظ بك ما دام وجودك منطقيًا في الأرقام، وما دام منصبك ضروريًا، وما دامت الكلفة مقبولة. حين يتغير ذلك، يبدأ كل شيء في التغير.
وهنا لا أتحدث عن الشركات كأنها كلها شريرة، فهذا تبسيط سهل وغير دقيق. هناك مؤسسات محترمة، ومدراء نبلاء، وفرق عمل حقيقية، وتجارب مهنية تبني الإنسان وتفتح له أبوابًا. لكن الحقيقة القاسية أن الأرقام حين تتغير، تتغير معها اللغة. Excel لا يعرف أنك سهرت، ولا يعرف أنك حضرت وأنت مريض، ولا يعرف أنك دافعت عن الشركة حين كان الجميع ينتقدها. Excel يعرف سؤالًا واحدًا: هل ما زلنا نحتاج هذا المنصب؟ وإذا كان الجواب لا، فقد تنتهي الصلاحية قبل أن تعرف أنت ذلك.
جيل كامل تربى على أن العمل علاقة وفاء. كانت الوظيفة بالنسبة لكثيرين وعدًا بالاستقرار، ومكانًا يدخل إليه الإنسان وهو شاب ويحلم أن يخرج منه بكرامة بعد سنوات طويلة. لم يكن الماضي مثاليًا، وكانت فيه قسوة وظلم أيضًا، لكنه كان يحمل على الأقل وهمًا واضحًا: أعطِ المؤسسة ولاءك، وستعطيك شيئًا من المستقبل. اليوم تغير الوعد. الشركة لم تعد تقول لك ذلك بوضوح. صارت تقول ضمنيًا: أعطني أداءك الآن، وسأعطيك راتبك الآن، أما المستقبل فليس جزءًا مضمونًا من الصفقة.
هذا لا يعني أن نتحول إلى أشخاص بلا ضمير داخل العمل. لا يعني أن نخون، أو نتحايل، أو نعطي أقل ما يمكن، أو ندخل الشركات ونحن نبحث عن أول باب للخروج. بالعكس، اشتغل بصدق، أعط قيمة، تعلم، ساعد، واترك أثرًا طيبًا حيثما مررت. لكن لا تهب حياتك كلها لمكان يستطيع أن يخرجك من النظام في ثلاثين ثانية، أو يغلق الجريدة في صباح شتنبر دون أن يخبرك في الليلة السابقة. لا تجعل بريدك المهني هو عمودك الفقري، ولا بطاقة الولوج هويتك الوحيدة، ولا الراتب تعريفك الوحيد للأمان. لأن الراتب ليس أمانًا، الراتب موعد شهري. الأمان الحقيقي هو أن تكون قادرًا على الوقوف إذا توقف ذلك الموعد.
الأمان أن يكون لك اسم خارج المؤسسة، ومهارة لا تموت بموت المسمى الوظيفي، وشبكة علاقات لا تختفي حين يختفي بريدك الإلكتروني، وقدرة على البدء من جديد دون أن تشعر أنك عدت إلى الصفر. الأمان أن تبني خطك الخاص وأنت تبني خط الشركة، وأن تعطي المؤسسة أفضل ما لديك دون أن تنسى أن مشروعك الأكبر هو نفسك. لذلك لم أعد أرى العمل الجانبي كخيانة. في زمن صارت فيه الوظائف والمؤسسات تنتهي صلاحيتها دون تاريخ معلن، يصبح امتلاك مسار موازٍ نوعًا من الحكمة، لا قلة وفاء.
حين أفكر اليوم في تلك الجريدة، لا أتذكر فقط خبر الإغلاق، بل أتذكر الإشارات الصغيرة التي سبقته. المشكلة لم تكن في أن الجريدة أُغلقت، فكل مشروع يمكن أن ينتهي. المشكلة أن النهاية كانت تُطبخ في مكان ما بينما كان الناس يواصلون العمل كأن الغد مضمون. وهذا هو الدرس الذي لا يُقال لنا في بداية المسار المهني: ليست كل النهايات تبدأ في يوم النهاية. بعض النهايات تبدأ قبل ذلك بكثير، في التفاصيل الصغيرة، في الصمت، في الارتباك، في الاجتماعات التي لا تُشرح، وفي الشعور الغامض بأن شيئًا ما يتغير.
لهذا صرت أفهم الولاء بطريقة مختلفة. الولاء جميل حين يكون متبادلًا، أما حين يبقى من جهة واحدة فقط، فهو لا يعود ولاءً، بل يصبح تضحية غير محسوبة، وربما سذاجة أنيقة. اعمل بصدق، لكن لا تنس نفسك داخل المكان الذي تعمل فيه. اترك أثرًا، لكن لا تترك حياتك كلها هناك. كن وفيًا، لكن لا تكن غافلًا. وأبقِ حقيبتك نصف جاهزة، لا لأنك تريد الرحيل، بل لأنك فهمت أخيرًا أن تاريخ الصلاحية في هذا الزمن غالبًا ما يكون معروفًا عندهم… ومخفيًا عنك.