Tag: الحياة المهنية

  • لوظيفتك تاريخ صلاحية… وأنت آخر من يعرفه

    في أحد صباحات شتنبر، استيقظ بعض الزملاء الذين كنت أعمل معهم سابقًا في جريدة ورقية على خبر لم يخبرهم به أحد. لم تكن هناك رسالة رسمية في الليلة السابقة، ولا اجتماع طارئ، ولا مدير جمع الناس ليشرح لهم ما يحدث، ولا حتى محاولة إنسانية بسيطة لتخفيف وقع الصدمة. فقط صباح عادي، في شهر عادي، ذهبوا إلى العمل كما اعتادوا، فاكتشفوا أن الجريدة أُغلقت، وأن الشركة الناشرة توقفت، وأن كل ذلك حدث كما تحدث الأشياء القاسية في عالم الشغل: فجأة، وبلا اعتذار أو شرح، وبلا وقت مناسب كي يفهم الإنسان كيف انتهى جزء من حياته المهنية بهذه البساطة.

    كنت قد غادرت قبل ذلك بثلاثة أشهر تقريبًا. لا أقول هذا من باب الذكاء المتأخر، ولا لأبدو كمن كان يرى ما لا يراه الآخرون، لكنني كنت قد بدأت ألتقط إشارات صغيرة لا تقول شيئًا بشكل مباشر، لكنها تقول كل شيء لمن ينتبه. أشياء تتغير في الإيقاع، قرارات لا تُشرح، صمت ثقيل في أماكن كان يفترض أن يكون فيها كلام، ارتباك في التفاصيل اليومية، وذاك الشعور الذي تعرفه جيدًا حين تكون داخل مركب بدأ يميل قليلًا، بينما لا يزال الجميع يتظاهرون أن البحر هادئ. في تلك الفترة فهمت أن هناك شيئًا لا يسير كما ينبغي، فاخترت أن أغادر المركب قبل أن يغرق. لم يكن القرار سهلًا، لأن المغادرة قبل النهاية تحتاج شجاعة من نوع آخر. تحتاج أن تصدق الإشارات قبل أن تتحول إلى خبر رسمي، وأن تتحمل نظرات من يراك مبالغًا في القلق، إلى أن يأتي اليوم الذي يثبت لك أن القلق أحيانًا كان مجرد وعي مبكر.

    تذكرت تلك القصة صباح الأحد الماضي، كنت جالسا في مقهى كما أفعل أحيانًا عندما أشعر أن الأسبوع مرّ بسرعة أكبر من قدرتي على فهمه. كنت أريد فقط أن أشرب قهوتي ببطء، أفتح حاسوبي، وأحاول ترتيب ما تراكم في رأسي من أفكار وقلق وأسئلة مؤجلة. هناك نوع من الصباحات لا تذهب فيها إلى المقهى لتعمل، بل لتستعيد صوتك الداخلي من ضجيج الأيام.

    تراقب الناس دون أن تقصد، تسمع قطعًا صغيرة من حيواتهم، وتكتشف أحيانًا أن جملة عابرة من طاولة قريبة يمكن أن تشرح لك شيئًا كنت تشعر به منذ سنوات دون أن تجد له اسمًا.

    كنت جالسًا في زاويتي المعتادة، بين رائحة القهوة وحركة الباب الذي يفتح ويغلق، حين شدّتني محادثة بين شابتين تجلسان على طاولة لا تبعد عني كثيرًا. لم أكن أحاول أن أتنصت، أو ربما كنت أفعل ذلك بالطريقة التي نفعلها جميعًا حين تلمسنا كلمة معينة. سمعت كلمة “جراو عليا”، فتوقف انتباهي هناك. هناك كلمات لا تمر بجانبك بسلام، خصوصًا إذا كنت تعرف معنى أن يرتبط الإنسان بعمله أكثر مما ينبغي، أو أن يرى زميلًا يختفي فجأة من النظام كما لو أنه لم يكن جزءًا من المكان يومًا.

    كانت إحداهما تحكي لصديقتها عن اليوم الذي فقدت فيه عملها. قالت إن المديرة اتصلت بها في وقت استراحة الغداء. وحدها هذه التفصيلة كانت كافية لتجعل القصة قاسية. ليست مكالمة في نهاية اليوم، ولا اجتماعًا مجدولا مسبقًا، ولا جلسة فيها قدر من الاحترام لمسار إنسان قضى وقتًا من حياته داخل الشركة. فقط اتصال مفاجئ في منتصف يوم عادي، بينما كانت تحاول أن تأكل شيئًا وتتنفس قليلًا بين المهام اليومية. قالت إن المديرة لا تتصل بها عادة، ولذلك حين ظهر اسمها على الشاشة، فهمت قبل أن تجيب أن شيئًا ما انتهى.

    ثم أضافت: “دون أي مقدمات، قالت لي: لم نعد في حاجة إليك في العمل، لذلك رجاءً قومي بإعادة الحاسوب وكل مستلزمات العمل إلى المكتب.”

    الغريب لم يكن التسريح نفسه – فنحن لم نعد نُفاجأ بهذا النوع من الأخبار. ما شدّني كان النبرة. لم تكن منكسرة، ولم تكن تتحدث من موقع الخيانة. كان صوتها أقرب إلى الوضوح منه إلى الألم، كأن أكثر ما أزعجها لم يكن أنها فقدت وظيفتها، بل أن المكالمة جاءت في وقت الغداء وقطعت عليها لحظة عادية كانت تستحقها. ربما، على عكس جيلي، لم تدخل العمل بوهم أن الولاء سيقابله ولاء – وربما هذا ما جعلها تستقبل الخبر بهذا الوضوح.

    الفرق كبير بين أن تنتهي علاقة وأن تنتهي صلاحية شيء. حين نقول إن علاقة العمل انتهت، فنحن نتحدث عن وعد انكسر، عن وداع، عن خيبة. أما حين نقول إن الصلاحية انتهت، فنحن نتحدث عن أمر إداري، بارد، مجدول بطريقة ما، حتى لو كان التاريخ مخفيًا عنا.

    الأمر يشبه علبة حليب في الثلاجة. حين تنتهي صلاحيتها، لا تجلس تسألها لماذا خذلتك. أنت تعرف منذ البداية أن لها تاريخًا مطبوعًا. المشكلة مع الوظيفة أن العلبة تأتي بلا تاريخ ظاهر. أنت لا تعرف متى تنتهي صلاحيتك، لكن في مكان ما – في اجتماع، في ملف، في جدول Excel – قد يكون ذلك التاريخ معروفًا عند غيرك.

    هذا بالضبط ما تعلمته من قصة الجريدة. لم يكن الإغلاق قد حدث بعد، لكن التاريخ كان يُكتب في مكان ما. ربما في حسابات الشركة، ربما في قرارات الملاك، ربما في اجتماعات لم يحضرها الصحافيون والمحررون والموظفون الذين كانوا يدخلون كل صباح وهم يظنون أن الجريدة ما زالت جريدتهم، وأن المكان الذي منحوه وقتهم وجهدهم سيمنحهم على الأقل حق المعرفة قبل النهاية. لكن عالم الشغل لا يمنحك دائمًا هذا الحق. أحيانًا يخفي عنك تاريخ الصلاحية إلى آخر لحظة، ويتركك تكتشفه وأنت واقف أمام الباب.

    هناك عقد نوقعه في العمل، وهناك عقد آخر لا يظهر في الأوراق. العقد الأول قانوني، واضح، بارد، ومحدود: منصب، راتب، مهام، وساعات عمل. أما العقد الثاني فهو نفسي، وهو الأخطر.

    ندخل الشركات ونحن نؤمن ضمنيًا بصفقة غير مكتوبة: سأعطيكم وقتي، جهدي، ولائي، قلقي، وساعات من حياتي لن تعود، وفي المقابل تعطونني الاستقرار، الاعتراف، والنمو، وربما المستقبل. لكن الشركة في كثير من الأحيان لا تقرأ الصفقة بالطريقة نفسها. هي تقول بصمت: سنحتفظ بك ما دام وجودك منطقيًا في الأرقام، وما دام منصبك ضروريًا، وما دامت الكلفة مقبولة. حين يتغير ذلك، يبدأ كل شيء في التغير.

    وهنا لا أتحدث عن الشركات كأنها كلها شريرة، فهذا تبسيط سهل وغير دقيق. هناك مؤسسات محترمة، ومدراء نبلاء، وفرق عمل حقيقية، وتجارب مهنية تبني الإنسان وتفتح له أبوابًا. لكن الحقيقة القاسية أن الأرقام حين تتغير، تتغير معها اللغة. Excel لا يعرف أنك سهرت، ولا يعرف أنك حضرت وأنت مريض، ولا يعرف أنك دافعت عن الشركة حين كان الجميع ينتقدها. Excel يعرف سؤالًا واحدًا: هل ما زلنا نحتاج هذا المنصب؟ وإذا كان الجواب لا، فقد تنتهي الصلاحية قبل أن تعرف أنت ذلك.

    جيل كامل تربى على أن العمل علاقة وفاء. كانت الوظيفة بالنسبة لكثيرين وعدًا بالاستقرار، ومكانًا يدخل إليه الإنسان وهو شاب ويحلم أن يخرج منه بكرامة بعد سنوات طويلة. لم يكن الماضي مثاليًا، وكانت فيه قسوة وظلم أيضًا، لكنه كان يحمل على الأقل وهمًا واضحًا: أعطِ المؤسسة ولاءك، وستعطيك شيئًا من المستقبل. اليوم تغير الوعد. الشركة لم تعد تقول لك ذلك بوضوح. صارت تقول ضمنيًا: أعطني أداءك الآن، وسأعطيك راتبك الآن، أما المستقبل فليس جزءًا مضمونًا من الصفقة.

    هذا لا يعني أن نتحول إلى أشخاص بلا ضمير داخل العمل. لا يعني أن نخون، أو نتحايل، أو نعطي أقل ما يمكن، أو ندخل الشركات ونحن نبحث عن أول باب للخروج. بالعكس، اشتغل بصدق، أعط قيمة، تعلم، ساعد، واترك أثرًا طيبًا حيثما مررت. لكن لا تهب حياتك كلها لمكان يستطيع أن يخرجك من النظام في ثلاثين ثانية، أو يغلق الجريدة في صباح شتنبر دون أن يخبرك في الليلة السابقة. لا تجعل بريدك المهني هو عمودك الفقري، ولا بطاقة الولوج هويتك الوحيدة، ولا الراتب تعريفك الوحيد للأمان. لأن الراتب ليس أمانًا، الراتب موعد شهري. الأمان الحقيقي هو أن تكون قادرًا على الوقوف إذا توقف ذلك الموعد.

    الأمان أن يكون لك اسم خارج المؤسسة، ومهارة لا تموت بموت المسمى الوظيفي، وشبكة علاقات لا تختفي حين يختفي بريدك الإلكتروني، وقدرة على البدء من جديد دون أن تشعر أنك عدت إلى الصفر. الأمان أن تبني خطك الخاص وأنت تبني خط الشركة، وأن تعطي المؤسسة أفضل ما لديك دون أن تنسى أن مشروعك الأكبر هو نفسك. لذلك لم أعد أرى العمل الجانبي كخيانة. في زمن صارت فيه الوظائف والمؤسسات تنتهي صلاحيتها دون تاريخ معلن، يصبح امتلاك مسار موازٍ نوعًا من الحكمة، لا قلة وفاء.

    حين أفكر اليوم في تلك الجريدة، لا أتذكر فقط خبر الإغلاق، بل أتذكر الإشارات الصغيرة التي سبقته. المشكلة لم تكن في أن الجريدة أُغلقت، فكل مشروع يمكن أن ينتهي. المشكلة أن النهاية كانت تُطبخ في مكان ما بينما كان الناس يواصلون العمل كأن الغد مضمون. وهذا هو الدرس الذي لا يُقال لنا في بداية المسار المهني: ليست كل النهايات تبدأ في يوم النهاية. بعض النهايات تبدأ قبل ذلك بكثير، في التفاصيل الصغيرة، في الصمت، في الارتباك، في الاجتماعات التي لا تُشرح، وفي الشعور الغامض بأن شيئًا ما يتغير.

    لهذا صرت أفهم الولاء بطريقة مختلفة. الولاء جميل حين يكون متبادلًا، أما حين يبقى من جهة واحدة فقط، فهو لا يعود ولاءً، بل يصبح تضحية غير محسوبة، وربما سذاجة أنيقة. اعمل بصدق، لكن لا تنس نفسك داخل المكان الذي تعمل فيه. اترك أثرًا، لكن لا تترك حياتك كلها هناك. كن وفيًا، لكن لا تكن غافلًا. وأبقِ حقيبتك نصف جاهزة، لا لأنك تريد الرحيل، بل لأنك فهمت أخيرًا أن تاريخ الصلاحية في هذا الزمن غالبًا ما يكون معروفًا عندهم… ومخفيًا عنك.

     

  • ثقافة الستارتاب: حين يُطلب منك أن تكون شركة كاملة… بأجر متدرّب

    ثقافة الستارتاب: حين يُطلب منك أن تكون شركة كاملة… بأجر متدرّب

    غالبًا لا يبدأ الأمر كقصة سيئة. على العكس تمامًا، يبدأ بلحظة تشعر فيها أن شيئًا ما قد يكون مختلفًا هذه المرة. لقاء هادئ، حديث طويل، أفكار تتقاطع بسهولة مقلقة، وشخص أمامك يتحدث عن مشروعه بنفس الشغف الذي كنت تتحدث به يومًا عن نفسك حين كنت تؤمن أن العمل الجاد وحده يكفي. لا تشعر أنك في مقابلة عمل، بل في مساحة مشتركة، كأنكما تتحدثان عن حلم واحد من زاويتين مختلفتين. في كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في المشروع نفسه، بل في ثقافة الستارتاب التي تولد بهدوء، وتكبر دون أن نلاحظ كيف تبدأ في استهلاك من يعملون داخلها.

    يبدأ في شرح ما يحتاجه، ليس على شكل قائمة مهام واضحة، بل كصورة عامة لشخص “يعرف يفعل أشياء كثيرة”. شخص يفهم المحتوى، يعرف التسويق، يدير التواصل، يفكر قبل أن ينفذ، ويتحمل الضغط عندما تتعقد الأمور. لا يقول صراحة إنه يبحث عن فريق كامل في شخص واحد، لكنه يتركك تصل إلى هذه الخلاصة بنفسك. الغريب أنك لا تنفر، بل تشعر بشيء من الفخر، وربما بشيء خفي من القلق لا تعرف له اسمًا بعد.

    عندما يصل الحديث إلى الأجر، يحدث التحول الهادئ الذي لا ينتبه له كثيرون في لحظته. تصبح الجمل أقل مباشرة، وأكثر عمومية. المشروع ما زال في بدايته، الميزانية محدودة، والمخاطرة عالية. ثم تأتي العبارة التي تتكرر في قصص كثيرة: “نحتاج شخصًا يؤمن بالفكرة”. تُقال بهدوء، لكن وقعها ثقيل، لأن الإيمان هنا لا يُطلب كقيمة، بل كتعويض غير معلن عن كل ما لن يُقال بعد. تُضاف عبارات مثل “نحن عائلة” و“ستكون جزءًا من المشروع”، فيتحول أي سؤال داخلي عن الحدود أو التوازن إلى شعور غير مريح بالذنب. تقنع نفسك أن هذه مرحلة مؤقتة، وأن الصبر الآن استثمار في المستقبل، وتوافق.

    تبدأ العمل، وتبدأ معه قصة أخرى لا تُروى في اللقاءات الأولى. تنجز المطلوب، ثم تكتشف أن المطلوب يتمدد. تسد فراغات لم تكن ضمن الاتفاق، تتحمل مسؤوليات إضافية دون نقاش، وتقول لنفسك إن هذا طبيعي في البدايات. تعمل بعقلية أن المشروع إن نجح، فسيُذكر هذا الجهد يومًا ما، أو هكذا تحب أن تصدق.

    ومع مرور الوقت، تبدأ النتائج في الظهور. المشروع يتحرك، الصورة تتضح، والجهد المبذول يصبح مرئيًا. لكن بدل أن تشعر بالارتياح، تشعر بأن شيئًا ما يضيق. المتابعة تصبح أكثر كثافة، الرسائل لا تعترف بوقت، والمكالمات تجد طريقها إلى المساء والعطل. كل شيء مستعجل، دائمًا. هنا تبدأ ثقافة الستارتاب في كشف وجهها الآخر، ذلك الوجه الذي يخلط بين الالتزام والاستنزاف، وبين المرونة وغياب الحدود.

    ثقافة الستارتاب بين الشغف وغياب الحدود

    شيئًا فشيئًا، تختفي الحدود دون أن يطلب أحد إلغاءها صراحة. يصبح وقتك الشخصي قابلًا للاقتطاع، وتتحول المرونة إلى التزام مفتوح بلا سقف. في لحظة ما، غالبًا بعد تعب لا يُقال، تحاول أن تتكلم. لا لتشتكي، بل لتفهم. تطلب وضوحًا بسيطًا: ساعات عمل معقولة، مهام محددة، ومساحة صغيرة للحياة خارج العمل. لكن ما تقوله لا يُسمع كما قصدته. فجأة تُوصَف بأنك غير مرن، لا تفهم عقلية المشاريع الناشئة، ولا تريد أن “تعطي أكثر”. يصبح طلب التنظيم دليلًا على قلة الشغف، ووضع الحدود علامة استفهام حول ولائك.

    في هذه المرحلة، لا يعود الإرهاق فرديًا، بل يصبح نتيجة مباشرة لطريقة اشتغال ثقافة الستارتاب حين تُبنى على التضحية غير المعلنة، وحين يُفترض أن يكون الاستنزاف جزءًا طبيعيًا من الرحلة. هنا لا تشعر بالغضب بقدر ما تشعر بالخذلان، لأنك تدرك أن المشكلة لم تكن في الجهد ولا في النية، بل في نموذج كامل يرى أن العطاء يجب أن يكون دائمًا ومن طرف واحد.

    هذه ليست قصة شخص واحد، ولا تجربة نادرة. هي نمط يتكرر بصيغ مختلفة، ويعيشه كثيرون دون أن يتحدثوا عنه. ربما لأنهم يخافون أن يُنظر إليهم كضعفاء، أو لأنهم ما زالوا يأملون أن تتغير الأمور من تلقاء نفسها. لكن الواقع يقول إن المشاريع التي تُبنى على هذا النوع من الاستنزاف، حتى إن نجحت مؤقتًا، فإنها تترك خلفها أشخاصًا مرهقين وأسئلة لا تجد إجابة.

    المشكلة ليست في الطموح، بل في ثقافة الستارتاب حين تتحول إلى مبرر لحرق من يحملون المشروع على أكتافهم. الإيمان بالفكرة لا يجب أن يكون على حساب الإنسان، والشغف لا يُفترض أن يُستخدم كعملة بديلة عن الوضوح والاحترام. ربما هذا المقال لا يقدم حلولًا جاهزة، لكنه محاولة لفتح مساحة صادقة للحديث عن شيء نعيشه كثيرًا ونمر عليه بصمت، على أمل أن يبدأ الحوار من حيث انتهى التعب.

  • عندما يختفي الشغف: رحلتي مع الاحتراق الوظيفي وكيف تجاوزتها

    عندما يختفي الشغف: رحلتي مع الاحتراق الوظيفي وكيف تجاوزتها

    كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحاً عندما وجدت نفسي محدقاً في سقف غرفتي للمرة الثالثة تلك الأسبوع. ليست أرقاً عادياً، بل ذلك النوع من اليقظة المؤلمة المصحوبة بتسارع في نبضات القلب وأفكار متشابكة تركض في عقلي كحيوانات برية مذعورة. غداً – أو بالأحرى اليوم – لدي اجتماع آخر، وعرض تقديمي آخر، ومهام أخرى متأخرة عن موعدها. كيف وصلت إلى هنا؟ متى تحولت الوظيفة التي كنت أستيقظ لأجلها متحمساً إلى كابوس يطاردني حتى في ساعات نومي القليلة؟

    أتذكر أيامي الأولى في الشركة كما لو كانت حلماً بعيداً. كنت أصل مبكراً وأغادر متأخراً، ليس لأن أحداً طلب ذلك، بل لأنني كنت مفتوناً بعملي. كانت الأفكار تتدفق كشلال لا ينضب، وكنت أحل المشكلات بمتعة الطفل الذي يفكك لغزاً معقداً. أتذكر كيف كنت أحدث أصدقائي عن مشاريعي بعيون متوهجة، حتى أنهم كانوا يمازحونني بأنني أتحدث عن وظيفتي كمن يتحدث عن حبيبة جديدة.

    متى بدأ كل شيء يتغير؟ لم يكن حدثاً دراماتيكياً واحداً. لم أستيقظ صباحاً وقد تبخر شغفي. كان أشبه بالمد ينحسر ببطء، موجة تلو الأخرى، حتى وجدت نفسي أقف على شاطئ جاف. بدأت أتأخر عشر دقائق عن موعد العمل، ثم عشرين، ثم أصبحت أحسب الدقائق المتبقية لنهاية الدوام. اختفت تلك الحماسة لطرح الأفكار في الاجتماعات، وتحولت إلى صمت مطبق ثم تثاؤب مكتوم. بدأت أرى ألواناً رمادية في عالم كان مليئاً بالألوان الزاهية.

    في إحدى الليالي، كنت أحدق في شاشة الكمبيوتر وقد امتزجت الكلمات أمام عيني. أصابتني موجة غريبة من الغثيان والدوار. كانت تلك أول نوبة هلع لي. ظننت أنها أزمة صحية، لكن الطبيب أكد لي بعد فحوصات عديدة أن جسدي كان يرسل إشارات واضحة: “توقف. لا يمكننا الاستمرار هكذا.”

    المواجهة:

    كان عليّ مواجهة الحقيقة القاسية: لقد وصلت إلى مرحلة الاحتراق الوظيفي الكامل. أنا الذي كنت أسخر من زملائي “الكسالى” الذين يغادرون في تمام السادسة، ها أنا الآن أشعر بألم جسدي وذهني لمجرد فتح بريدي الإلكتروني.

    في تلك الليلة، جلست على شرفتي الصغيرة، أتأمل المدينة النائمة، وسألت نفسي سؤالاً بسيطاً لكنه عميق: “ما الذي أحببته في عملي يوماً ما؟” كانت الإجابة تختبئ خلف طبقات من الإرهاق والتوتر: أحببت الإبداع، حل المشكلات المعقدة، التعاون مع أشخاص موهوبين، الشعور بأنني أصنع فرقاً. أين اختفت كل هذه العناصر؟

    قررت أن أمنح نفسي هدية بسيطة: أسبوع إجازة بعيداً عن كل شيء. لا بريد إلكتروني، لا مكالمات، لا شاشات. سافرت إلى قرية جبلية هادئة، مكان لا يتوقع مني فيه أحد شيئاً. في اليوم الثالث، بينما كنت أحاول إكتشاف ما وراء الجبال، حدث شيء غريب: وجدت نفسي أفكر في حل لمشكلة في العمل كنت أتجنبها لأسابيع. لكن هذه المرة، لم تكن الفكرة مصحوبة بذلك الشعور المعتاد بالضغط والقلق. كانت مجرد فكرة، خطرت على بالي بسلاسة وخفة.

    العودة:

    عدت من إجازتي وأنا أحمل إدراكاً جديداً: شغفي لم يختفِ تماماً، لكنه اختنق تحت أكوام من التوقعات غير الواقعية التي فرضتها على نفسي، والعادات السيئة التي تراكمت دون وعي، وبيئة عمل تمجد الاحتراق كعلامة على التفاني.

    بدأت رحلة استعادة الشغف ببطء، خطوة صغيرة تلو الأخرى. أولاً، وضعت حدوداً واضحة: لا عمل بعد السابعة مساءً، لا بريد إلكتروني في عطلة نهاية الأسبوع. ثانياً، بدأت أختار المشاريع التي تتماشى مع اهتماماتي ومهاراتي بدلاً من قبول كل ما يُعرض علي. ثالثاً، خصصت وقتاً للتعلم والاستكشاف، لمتابعة اتجاهات جديدة في مجالي دون ضغط الإنتاجية الفورية.

    لكن التغيير الأهم كان في منظوري: بدأت أنظر للعمل كجزء من حياة متوازنة، وليس كمحور لهويتي بأكملها. اكتشفت من جديد هواياتي المنسية، استثمرت في علاقاتي، وتعلمت أن الراحة ليست كسلاً بل استثماراً في الإبداع والإنتاجية على المدى الطويل.

    اليوم، بعد عامين من تلك الليلة التي حدقت فيها في سقف غرفتي، أجد نفسي في موقف مختلف تماماً. لا يزال لدي أيام صعبة، بالطبع. لا تزال هناك مشاريع متأخرة واجتماعات مرهقة. لكن عاد بإمكاني رؤية الألوان في عالمي المهني. عاد بإمكاني الشعور بتلك القشعريرة عندما تخطر على بالي فكرة مبدعة. عاد بإمكاني النوم ليلاً.

    قد يبدو الاحتراق الوظيفي كنهاية الطريق، علامة على أنك اخترت المسار الخاطئ، أو أنك لست قوياً بما يكفي. لكنني أدركت أنه يمكن أن يكون بداية لعلاقة جديدة مع العمل – علاقة أكثر صحة واستدامة وإنسانية. علاقة يمكنك فيها أن تحب ما تفعله دون أن تضحي بمن أنت.

    فإذا وجدت نفسك تحدق في سقف غرفتك في الثالثة صباحاً، اعلم أنك لست وحدك. اعلم أن الشغف لم يختفِ نهائياً، بل ربما يختبئ تحت طبقات من الإرهاق والضغط، ينتظر منك أن تمنح نفسك الوقت والمساحة لتكتشفه من جديد.

  • كيف تكتشف قيمتك الحقيقية؟ (ما الذي يميزك وأنت لا تدري)

    كيف تكتشف قيمتك الحقيقية؟ (ما الذي يميزك وأنت لا تدري)

    منذ أسبوع، جلست مع ياسين، موظف في قسم المبيعات. طلب مني مساعدته في بناء علامته الشخصية.

    سألته: “ما الذي يميزك عن باقي موظفي المبيعات؟”

    فكر طويلاً، ثم قال بتردد: “لا أعرف… أنا أقوم بعملي بشكل جيد، لكن ليس لدي شيء مميز حقاً.”

    قلت له: “حسناً، أخبرني عن آخر عملية بيع صعبة نجحت فيها.”

    بدأ يحكي. وفي خمس دقائق، اكتشفنا معاً شيئاً مهماً:

    ياسين لا يبيع بالطريقة التقليدية. هو يستمع أولاً. يفهم المشكلة الحقيقية للعميل، حتى لو لم يكن العميل نفسه واضحاً بشأنها. ثم يقدم الحل المناسب، حتى لو لم يكن الأغلى.

    هذا هو ما يميزه. لكنه لم يكن يراه، لأنه بالنسبة له “هكذا أعمل فقط”.

    المشكلة: نحن عميان عن قيمتنا الحقيقية

    معظمنا يعرف “وظيفته”. لكن قليلون من يعرفون “قيمتهم”.

    نحن نرى أنفسنا كما نعمل كل يوم: “موظف مبيعات”، “مصمم جرافيك”، “محاسب”، “مسؤول تسويق”.

    لكن ما يميزك ليس الوظيفة نفسها، بل كيف تؤديها.

    الخطأ الذي نقع فيه: نبحث عن “شيء كبير” يميزنا. شهادة مهمة، إنجاز ضخم، خبرة نادرة.

    لكن الحقيقة؟ ما يميزك موجود في التفاصيل الصغيرة التي تعتبرها أنت عادية.

    الطريقة الأولى: اسأل من يعملون معك

    قبل سنتين، كنت في فترة انتقالية في مسيرتي. أحاول أن أفهم ما الذي أفعله جيداً حقاً.

    قررت أن أسأل خمسة أشخاص أعمل معهم بشكل قريب. السؤال كان بسيطاً:

    “لو كنت ستوصي بي لشخص، ما أول شيء ستقوله عني؟”

    الإجابات فاجأتني.

    لم يقل أحد: “فؤاد جيد في التسويق الرقمي.” (وهو ما كنت أظن أنه ما يميزني)

    بل قالوا أشياء مثل:

    • “أنت وحش عمل، تعمل بدون توقف، تنجز بدون أن تتكلم.”
    • “تجعل الأفكار المعقدة بسيطة.”
    • “حين يكون هناك مشكلة، أنت تجد حلاً عملياً بسرعة.”

    هذه هي قيمتي الحقيقية. ليست في الأدوات التي أستخدمها، بل في الطريقة التي أفكر بها وأتعامل مع المواقف.

    جرب هذا:

    تمرين عملي (10 دقائق):

    1. اختر 3-5 أشخاص تعمل معهم (زملاء، مدراء، حتى عملاء)
    2. أرسل لهم رسالة بسيطة: “مرحباً [الاسم]، أعمل على تطوير نفسي مهنياً، وأحتاج مساعدتك. هل يمكنك أن تخبرني: ما الشيء الذي تعتقد أنني أفعله بشكل جيد أو مختلف عن الآخرين؟ إجابة بسيطة تكفي. شكراً!”
    3. اجمع الإجابات، وابحث عن الأنماط المتكررة

    ستندهش من النتائج.

    الطريقة الثانية: راجع اللحظات التي نجحت فيها

    قبل شهرين، طلب مني أحد الأصدقاء المساعدة. كان يشعر أنه “عادي” ولا يملك شيئاً مميزاً.

    قلت له: “أخبرني عن آخر مرة شعرت فيها أنك أنجزت شيئاً جيداً في عملك.”

    حكى لي عن مشروع كان متأخراً، والفريق كان مشتتاً. هو تدخل، رتب المهام، وضع جدولاً واضحاً، وأنهوا المشروع في الوقت المحدد.

    قلت له: “هذا هو. أنت جيد في التنظيم وإدارة الفوضى.”

    قال: “لكن هذا عادي، أي أحد يمكنه فعل ذلك.”

    قلت له: “لو كان عادياً، لماذا لم يفعله أحد قبلك؟”

    ما تعتبره “عادياً” قد يكون استثنائياً للآخرين.

    تمرين عملي:

    خذ ورقة، واكتب 3 مواقف في آخر 6 أشهر حيث:

    • حللت مشكلة لم يستطع أحد حلها
    • ساعدت شخصاً وشكرك بشكل خاص
    • أنجزت شيئاً كان الجميع يعتقد أنه صعب

    الآن، لكل موقف، اسأل نفسك: ما الذي فعلته بشكل مختلف؟

    الإجابة ستخبرك بالكثير عن قيمتك الحقيقية.

    الطريقة الثالثة: الفرق بين “ماذا” و “كيف”

    الخطأ الأكبر: نركز على ماذا نفعل، وننسى كيف نفعله.

    مثال من الواقع:

    كنت أعمل مع مصممين في Done. اثنان منهم يقومان بنفس العمل بالضبط: تصميم منشورات لمواقع التواصل.

    لكن أحدهما كان مميزاً. لماذا؟

    ليس لأن تصاميمه أجمل (كلاهما جيد تقنياً). بل لأن طريقته في العمل مختلفة:

    • يسأل أسئلة قبل البدء: “ما الرسالة الأساسية؟ من الجمهور؟”
    • يقترح أفكاراً قبل التنفيذ
    • يشرح لك لماذا اختار هذا اللون أو هذا التكوين

    نفس العمل، طريقة مختلفة، نتيجة مختلفة.

    فكر في عملك:

    • ماذا تفعل؟ (الوظيفة) → “أكتب محتوى”
    • كيف تفعله؟ (الطريقة) → “أبحث عميقاً قبل الكتابة، أتأكد من كل معلومة، أكتب بأسلوب بسيط يفهمه الجميع”

    الـ”كيف” هي قيمتك الحقيقية.

    المهارات “الخفية” التي لا ننتبه لها

    في ثقافة العمل العربية، هناك مهارات نعتبرها “عادية”، لكنها في الحقيقة نادرة وقيمة:

    1. القدرة على حل المشاكل بهدوء:

    في بيئات العمل المغربية والعربية، حين تحدث مشكلة، كثيرون يتوترون أو يلقون اللوم. لكن إذا كنت أنت من يبقى هادئاً ويجد الحل، هذه قيمة كبيرة.

    2. فهم الناس والتعامل معهم:

    كثيرون جيدون تقنياً، لكن قليلون يعرفون كيف يتعاملون مع شخصيات مختلفة، يحلون خلافاً بين زملاء، أو يتواصلون بوضوح. إذا كنت جيداً في هذا، لا تستهن به.

    3. الإنجاز رغم الإمكانيات المحدودة:

    في الشركات المغربية والعربية، نادراً ما تكون لدينا كل الموارد المثالية. إذا كنت من النوع الذي يجد طريقة للإنجاز رغم القيود، هذه مهارة ذهبية.

    4. التعلم السريع:

    إذا كنت تتكيف بسرعة مع أدوات جديدة، أو تتعلم مهارة جديدة بدون تدريب رسمي، هذا يميزك.

    قيمتك موجودة، أنت فقط لا تراها

    المشكلة ليست أنك لا تملك قيمة. المشكلة أنك تعيشها كل يوم، فأصبحت غير مرئية لك.

    ما يميزك ليس دائماً شيئاً كبيراً أو استثنائياً. أحياناً هو:

    • طريقتك في التفكير
    • أسلوبك في التعامل مع المشاكل
    • قدرتك على فهم الناس
    • طريقتك في تبسيط الأمور المعقدة

    ابدأ من هنا:

    1. اسأل 3 أشخاص: “ما الذي أفعله بشكل جيد؟”
    2. راجع آخر 3 نجاحات لك، واسأل نفسك: “كيف فعلتها؟”
    3. لاحظ ماذا يطلب منك الناس مساعدة فيه بشكل متكرر

    حين تعرف قيمتك الحقيقية، ستعرف ماذا تقول للعالم.

    وهذا بالضبط ما سنفعله في المقال القادم: كيف تحول هذه القيمة إلى محتوى ينشر.