ثقافة الستارتاب: حين يُطلب منك أن تكون شركة كاملة… بأجر متدرّب

Fouad ouaggad

غالبًا لا يبدأ الأمر كقصة سيئة. على العكس تمامًا، يبدأ بلحظة تشعر فيها أن شيئًا ما قد يكون مختلفًا هذه المرة. لقاء هادئ، حديث طويل، أفكار تتقاطع بسهولة مقلقة، وشخص أمامك يتحدث عن مشروعه بنفس الشغف الذي كنت تتحدث به يومًا عن نفسك حين كنت تؤمن أن العمل الجاد وحده يكفي. لا تشعر أنك في مقابلة عمل، بل في مساحة مشتركة، كأنكما تتحدثان عن حلم واحد من زاويتين مختلفتين. في كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في المشروع نفسه، بل في ثقافة الستارتاب التي تولد بهدوء، وتكبر دون أن نلاحظ كيف تبدأ في استهلاك من يعملون داخلها.

يبدأ في شرح ما يحتاجه، ليس على شكل قائمة مهام واضحة، بل كصورة عامة لشخص “يعرف يفعل أشياء كثيرة”. شخص يفهم المحتوى، يعرف التسويق، يدير التواصل، يفكر قبل أن ينفذ، ويتحمل الضغط عندما تتعقد الأمور. لا يقول صراحة إنه يبحث عن فريق كامل في شخص واحد، لكنه يتركك تصل إلى هذه الخلاصة بنفسك. الغريب أنك لا تنفر، بل تشعر بشيء من الفخر، وربما بشيء خفي من القلق لا تعرف له اسمًا بعد.

عندما يصل الحديث إلى الأجر، يحدث التحول الهادئ الذي لا ينتبه له كثيرون في لحظته. تصبح الجمل أقل مباشرة، وأكثر عمومية. المشروع ما زال في بدايته، الميزانية محدودة، والمخاطرة عالية. ثم تأتي العبارة التي تتكرر في قصص كثيرة: “نحتاج شخصًا يؤمن بالفكرة”. تُقال بهدوء، لكن وقعها ثقيل، لأن الإيمان هنا لا يُطلب كقيمة، بل كتعويض غير معلن عن كل ما لن يُقال بعد. تُضاف عبارات مثل “نحن عائلة” و“ستكون جزءًا من المشروع”، فيتحول أي سؤال داخلي عن الحدود أو التوازن إلى شعور غير مريح بالذنب. تقنع نفسك أن هذه مرحلة مؤقتة، وأن الصبر الآن استثمار في المستقبل، وتوافق.

تبدأ العمل، وتبدأ معه قصة أخرى لا تُروى في اللقاءات الأولى. تنجز المطلوب، ثم تكتشف أن المطلوب يتمدد. تسد فراغات لم تكن ضمن الاتفاق، تتحمل مسؤوليات إضافية دون نقاش، وتقول لنفسك إن هذا طبيعي في البدايات. تعمل بعقلية أن المشروع إن نجح، فسيُذكر هذا الجهد يومًا ما، أو هكذا تحب أن تصدق.

ومع مرور الوقت، تبدأ النتائج في الظهور. المشروع يتحرك، الصورة تتضح، والجهد المبذول يصبح مرئيًا. لكن بدل أن تشعر بالارتياح، تشعر بأن شيئًا ما يضيق. المتابعة تصبح أكثر كثافة، الرسائل لا تعترف بوقت، والمكالمات تجد طريقها إلى المساء والعطل. كل شيء مستعجل، دائمًا. هنا تبدأ ثقافة الستارتاب في كشف وجهها الآخر، ذلك الوجه الذي يخلط بين الالتزام والاستنزاف، وبين المرونة وغياب الحدود.

ثقافة الستارتاب بين الشغف وغياب الحدود

شيئًا فشيئًا، تختفي الحدود دون أن يطلب أحد إلغاءها صراحة. يصبح وقتك الشخصي قابلًا للاقتطاع، وتتحول المرونة إلى التزام مفتوح بلا سقف. في لحظة ما، غالبًا بعد تعب لا يُقال، تحاول أن تتكلم. لا لتشتكي، بل لتفهم. تطلب وضوحًا بسيطًا: ساعات عمل معقولة، مهام محددة، ومساحة صغيرة للحياة خارج العمل. لكن ما تقوله لا يُسمع كما قصدته. فجأة تُوصَف بأنك غير مرن، لا تفهم عقلية المشاريع الناشئة، ولا تريد أن “تعطي أكثر”. يصبح طلب التنظيم دليلًا على قلة الشغف، ووضع الحدود علامة استفهام حول ولائك.

في هذه المرحلة، لا يعود الإرهاق فرديًا، بل يصبح نتيجة مباشرة لطريقة اشتغال ثقافة الستارتاب حين تُبنى على التضحية غير المعلنة، وحين يُفترض أن يكون الاستنزاف جزءًا طبيعيًا من الرحلة. هنا لا تشعر بالغضب بقدر ما تشعر بالخذلان، لأنك تدرك أن المشكلة لم تكن في الجهد ولا في النية، بل في نموذج كامل يرى أن العطاء يجب أن يكون دائمًا ومن طرف واحد.

هذه ليست قصة شخص واحد، ولا تجربة نادرة. هي نمط يتكرر بصيغ مختلفة، ويعيشه كثيرون دون أن يتحدثوا عنه. ربما لأنهم يخافون أن يُنظر إليهم كضعفاء، أو لأنهم ما زالوا يأملون أن تتغير الأمور من تلقاء نفسها. لكن الواقع يقول إن المشاريع التي تُبنى على هذا النوع من الاستنزاف، حتى إن نجحت مؤقتًا، فإنها تترك خلفها أشخاصًا مرهقين وأسئلة لا تجد إجابة.

المشكلة ليست في الطموح، بل في ثقافة الستارتاب حين تتحول إلى مبرر لحرق من يحملون المشروع على أكتافهم. الإيمان بالفكرة لا يجب أن يكون على حساب الإنسان، والشغف لا يُفترض أن يُستخدم كعملة بديلة عن الوضوح والاحترام. ربما هذا المقال لا يقدم حلولًا جاهزة، لكنه محاولة لفتح مساحة صادقة للحديث عن شيء نعيشه كثيرًا ونمر عليه بصمت، على أمل أن يبدأ الحوار من حيث انتهى التعب.

Comments

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *