تخيل أنك أب أنفقت آلاف الدراهم على تعليم ابنك الفرنسية، لأنك مقتنع بأنها المفتاح الذي سيفتح له أبواب الدراسة والعمل في المغرب.
وفي الغرفة المجاورة، يجلس ابنك أمام هاتفه، يتابع دروساً بالإنجليزية، ويستمع إلى بودكاست أمريكي، ويتحدث مع أشخاص من دول لم تزرها أنت في حياتك. وحين تخبره أن عليه تحسين لغته الفرنسية، ينظر إليك كما لو أنك تطلب منه تعلم استعمال جهاز الفاكس.
أنت مقتنع بأن الفرنسية لغة العمل.
وهو مقتنع بأنها لغة الماضي.
وقد تكتشفان بعد سنوات أن كليكما كان مخطئاً.
أنت لأنك أعددته لسوق موجود اليوم من دون أن تسأل كيف سيكون غداً. وهو لأنه استعد للعالم كله قبل أن يتعلم كيف يفتح أول باب أمامه داخل بلده.
هذه ليست معركة لغوية بسيطة بين الفرنسية والإنجليزية، ولا سؤالاً يمكن الإجابة عنه بشعار من قبيل: «الإنجليزية لغة المستقبل» أو «الفرنسية ضرورية في المغرب».
السؤال الحقيقي هو: إذا كان وقتك محدوداً، فأي لغة تستحق أن تستثمر فيها مستقبلك؟
الشباب دفنوا الفرنسية قبل أن تموت
إذا استمعت إلى النقاش الدائر بين الشباب المغاربة، ستعتقد أن الفرنسية انتهت، وأننا ننتظر فقط من يكتب شهادة وفاتها.
هناك من يراها بقايا استعمارية لا مبرر لاستمرارها. وهناك من يعتبر أن تعلمها مضيعة للوقت أمام لغة تفتح أبواب المعرفة والتقنية والعمل الدولي. وفي كل مرة يُطرح فيها الموضوع على مواقع التواصل، تتحول التعليقات إلى معركة هوية وانتماء، لا إلى نقاش هادئ حول الدراسة والعمل.
وهذا التحول ليس مجرد انطباع عابر.
في استطلاع أجراه المجلس الثقافي البريطاني على أكثر من 1,200 مغربي تتراوح أعمارهم بين 15 و25 سنة، قال أكثر من ثلثي المشاركين إنهم يتوقعون أن تحل الإنجليزية محل الفرنسية بوصفها اللغة الأجنبية الأولى في المغرب خلال خمس سنوات. وعندما سُئلوا عن أهم لغة ينبغي تعلمها، اختار 40% الإنجليزية، مقابل 10% فقط اختاروا الفرنسية.
الأرقام تعكس رغبة جيل كامل في تغيير البوصلة. لكن الرغبة شيء، والواقع شيء آخر.
مرّت خمس سنوات تقريباً على ذلك الاستطلاع، ولم تختف الفرنسية. لا تزال حاضرة في الشركات والإدارة والتعليم العالي وعدد كبير من المقابلات المهنية. وقد وجدت دراسة حول التفاوت بين التعليم ومتطلبات العمل الحضري في المغرب أن عدم إتقان الفرنسية ظل عائقاً أمام عدد من الخريجين عند دخول سوق العمل.
بمعنى أكثر وضوحاً: الشباب صوّتوا للإنجليزية، لكن جزءاً كبيراً من سوق العمل المغربي لم يفتح صناديق الاقتراع بعد.
الأرقام التي تفسد علينا المعركة
وفق نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، يستطيع 57.7% من السكان المتعلمين البالغين عشر سنوات فأكثر القراءة والكتابة بالفرنسية، بينما تبلغ النسبة 20.5% بالنسبة إلى الإنجليزية. وفي الوسط الحضري ترتفع النسبتان إلى 64.3% للفرنسية و25.2% للإنجليزية.
هذه الأرقام لا تقول إن الفرنسية أفضل. ولا تعني أن الإنجليزية غير مهمة.
إنها تقول فقط إن الفرنسية تملك بنية قائمة بالفعل: موظفون ومديرون ووثائق ومؤسسات وعلاقات اقتصادية ومسارات تعليمية اعتادت استعمالها منذ عقود.
لا يمكنك حذف كل ذلك بهاشتاغ غاضب على مواقع التواصل.
لكن الأرقام تكشف أيضاً شيئاً آخر: الإنجليزية ما تزال أقل انتشاراً، وهذا قد يجعل إتقانها الحقيقي ميزة تميزك عن الآخرين، خصوصاً عندما تبحث عن فرص تتجاوز السوق المحلي.
الفرنسية تمنحك اليوم قدرة أكبر على الاندماج داخل أجزاء واسعة من السوق المغربي، بينما تمنحك الإنجليزية قدرة أكبر على توسيع السوق الذي تستطيع الوصول إليه.
الأولى قد تساعدك على الحصول على مقابلة في شركة محلية أو فرنكوفونية. والثانية قد تتيح لك التعلم من مصادر أوسع، والعمل مع عملاء وشركات وأسواق لا تدور داخل الفلك الفرنسي.
أما امتلاك اللغتين، فهو الخيار الأقل إثارة في النقاش، لكنه الأكثر ذكاءً في الواقع.
الدولة نفسها بدأت تتحرك
التحول نحو الإنجليزية لم يعد رغبة شبابية تعيش داخل يوتيوب وتيك توك فقط.
خلال الموسم الدراسي 2025–2026، أعلنت الحكومة المغربية تعميم تدريس الإنجليزية في المستويات الثلاثة للسلك الثانوي الإعدادي. وقبل ذلك، بلغت تغطية تدريسها 75.9% من تلاميذ السلك الإعدادي خلال موسم 2024–2025، بعدما كانت 55.7% في الموسم السابق.
هذا يعني أن الجيل القادم سيدخل الجامعة وسوق العمل بعلاقة مختلفة مع الإنجليزية.
لكن تعميم تدريس لغة لا يعني إتقانها تلقائياً. لقد درس كثير منا الفرنسية سنوات طويلة، ثم وصل إلى مقابلة العمل وهو يبحث في رأسه عن الفرق بين depuis وpendant.
المناهج تفتح الباب، لكنها لا تمشي بدلاً منك.
الإنجليزية ليست عصاً سحرية
هنا يقع أنصار الإنجليزية في الخطأ نفسه الذي يتهمون به أنصار الفرنسية.
يقدمون الإنجليزية أحياناً كما لو أن تعلمها سيمنحك وظيفة عن بعد، وراتباً بالدولار، وتأشيرة سفر، ومقعداً بجوار إيلون ماسك.
لكن اللغة لا تعوض غياب المهارة.
يمكنك أن تتحدث الإنجليزية بطلاقة ولا تملك شيئاً ذا قيمة تقدمه. ويمكن لشخص بإنجليزية متوسطة، لكنه يتقن البرمجة أو التصميم أو البيع أو تحليل البيانات، أن يحصل على فرص أفضل منك.
اللغة لا تصنع المسار المهني من الصفر. إنها توسع المسار الذي بنيته أصلاً.
إلا ما عندك ما تقول، حتى إلا قلتيه بإنجليزية ديال لندن، غيبقى ما عندك ما تقول.
المشكلة أن بعض الشباب ينتقل من تقديس الفرنسية إلى تقديس الإنجليزية، وكأننا لا نستطيع التعامل مع لغة إلا إذا وضعناها فوق رؤوسنا.
الإنجليزية ليست علامة على الذكاء، والفرنسية ليست علامة على الرقي، والعربية ليست دليلاً على الانغلاق، والدارجة ليست لغة الجهل.
كل واحدة أداة. وقيمتها تحددها الجهة التي تريد الوصول إليها وما الذي تريد فعله عندما تصل.
ليست كل الوظائف متشابهة
من العبث أن نعطي النصيحة نفسها لطالب يريد العمل في إدارة محلية، ولمطور يبحث عن وظيفة عن بعد، ولممرضة تريد الهجرة، ولمقاول يبيع خدماته لشركات مغربية.
اختيار اللغة يجب أن يبدأ من السوق المستهدف، لا من اللغة التي تحصل على أكبر عدد من الإعجابات على الإنترنت.
إذا كان مسارك مرتبطاً بمؤسسات وشركات مغربية تتعامل مع شركاء فرنكوفونيين، فإن التخلي الكامل عن الفرنسية قد يغلق أمامك فرصاً حقيقية الآن.
وإذا كان مجالك هو البرمجة أو البحث أو صناعة المحتوى أو العمل عن بعد أو التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، فإن ضعفك في الإنجليزية قد يجعلك تصل متأخراً إلى المعرفة والفرص.
أما إذا كنت تدير مشروعاً يخاطب المغاربة، فقد تكتشف أن قدرتك على الكتابة بالعربية والتواصل بالدارجة أهم من استعراض مصطلحات أجنبية لا يفهمها زبونك.
المغرب لا يعيش بلغة واحدة، وسوقه لا يعمل بلغة واحدة. لذلك فإن السؤال «الفرنسية أم الإنجليزية؟» ناقص منذ البداية.
السؤال الأدق هو: أي لغة أحتاج إليها الآن، وأي لغة ستمنع سقفي من الانخفاض مستقبلاً؟
ماذا أتعلم أولاً؟
لو طلب مني شاب مغربي أن أختار له لغة واحدة فقط، فلن أجيبه قبل أن أعرف أين يريد أن يعمل.
لكن إذا لم تكن لديه بعد خطة واضحة، فسأقترح عليه حلاً عملياً:
حافظ على مستوى وظيفي في الفرنسية يسمح لك بفهم رسالة، وكتابة جواب، واجتياز مقابلة، والمشاركة في اجتماع من دون أن تختفي منك الكلمات عند أول سؤال.
ثم استثمر الجزء الأكبر من تعلمك الجديد في الإنجليزية، لأنها توسع وصولك إلى المعرفة والأسواق والأدوات الدولية.
لا تحتاج إلى انتظار إتقان اللغة قبل استعمالها. تعلمها داخل المجال الذي تريد العمل فيه. إذا كنت مصمماً، شاهد دروس التصميم. وإذا كنت مبرمجاً، اقرأ التوثيق التقني. وإذا كنت تعمل في التسويق، تابع دراسات الحالات وحلل الحملات.
لا تحفظ قائمة كلمات عن المطار والفندق إذا كان أكثر مكان تسافر إليه هو المكتب.
تعلم اللغة التي ستستعملها صباح الاثنين، لا اللغة التي تجعلك تبدو مثقفاً مساء الأحد.
الفرنسية لم تمت… لكن احتكارها للمستقبل انتهى
من السهل أن نكتب مقالاً غاضباً نطالب فيه بطرد الفرنسية، ومن السهل أيضاً أن نرد عليه بخطاب يخيف الشباب من ضياع فرص العمل.
الحقيقة أقل راحة للطرفين.
الفرنسية لا تزال نافعة في المغرب، وقد يضرك تجاهلها حالياً. لكن الاعتماد عليها وحدها أصبح رهاناً محدوداً في عالم تتحرك فيه المعرفة والتقنية والأعمال الدولية بصورة متزايدة عبر الإنجليزية.
لا تدفن الفرنسية قبل أن تموت.
لكن لا تسمح لها أيضاً بأن تدفن فرصك خارج الحدود التي صنعتها لنفسها.
تعلم ما تحتاج إليه لكي تدخل السوق الموجود، ثم تعلم ما تحتاج إليه لكيلا تبقى سجيناً داخله.
لأن أسوأ قرار لغوي قد تتخذه اليوم ليس اختيار الفرنسية بدل الإنجليزية، أو الإنجليزية بدل الفرنسية.
أسوأ قرار هو أن تقضي سنوات تتجادل حول اللغة التي تستحق أن تتعلمها، بينما يتعلم الآخرون اللغتين ويتقدمون أمامك.
ونقولها ليك بالدارجة: نتا ما محتاجش تختار بين جوج بيبان. تعلم كيفاش تحلّهم بجوج.