قبل أن تصل إلى عملك صباحًا، ربما تكون قد استخدمت الذكاء الاصطناعي عدة مرات دون أن تنتبه.

فتح هاتفك بعد أن تعرّف على وجهك. اقترح عليك تطبيق الخرائط طريقًا أقل ازدحامًا. نقل بريدك رسالة مشبوهة إلى مجلد المزعج. عرض عليك تطبيق الموسيقى أغنية توقّع أنك ستحبها.

كل هذه أمثلة على الذكاء الاصطناعي. لا تتحدث معك مثل ChatGPT، ولا تشبه الروبوتات في الأفلام، لكنها هي.

وهنا يبدأ سوء الفهم. عندما نقول الذكاء الاصطناعي، نحن لا نتحدث عن برنامج واحد.

ما هو الذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي، أو Artificial Intelligence، هو اسم عام لأنظمة تنفّذ مهام كنا نظن أنها تحتاج إلى إنسان: أن تتعرف على وجه، أن تفهم جملة، أن تكتشف نمطًا، أن تتوقع نتيجة.

لكن انتبه للكلمة المهمة: تنفّذ. لا تفكر، ولا تفهم، ولا تريد شيئًا. تنفّذ مهمة كان من الصعب سابقًا شرح خطواتها للآلة.

كلمة الذكاء في الاسم مضللة قليلًا. اختارها باحثون في خمسينيات القرن الماضي، ولو اختاروا اسمًا آخر لكان نقاشنا اليوم أهدأ بكثير.

كيف يعمل؟

معظم هذه الأنظمة تفعل ثلاثة أشياء: تستقبل، تعالج، تُخرج نتيجة.

خذ فلتر البريد المزعج. يستقبل الرسالة، ينظر في كلماتها والمرسل والروابط، ويقارنها بملايين الرسائل التي رآها من قبل. ثم يقرر: عادية أم مزعجة.

وفي تطبيق الخرائط: موقعك ووجهتك وحركة المرور تدخل، والطريق الأسرع يخرج.

لم يفهم النظام أنك متأخر عن اجتماع. هو حسب أرقامًا وأخرج النتيجة الأقرب لما تعلّمه.

لماذا انفجر فجأة؟

الذكاء الاصطناعي ليس جديدًا. الفكرة عمرها أكثر من سبعين سنة، وكان موجودًا في حياتنا منذ سنوات طويلة.

الذي تغيّر ليس وجوده، بل أن أصبح يتكلم.

عندما ظهر ChatGPT، صار بإمكان أي شخص أن يستعمل هذه التقنية بلغته العادية، دون أن يعرف شيئًا عن البرمجة. لم تكن قفزة تقنية بقدر ما كانت قفزة في الوصول.

هذا يشبه ما حدث مع الإنترنت. كان موجودًا قبل المتصفح، لكن المتصفح هو الذي جعله للناس.

ما الفرق بينه وبين المصطلحات الأخرى؟

ستصادف كلمات كثيرة تبدو متشابهة. الصورة أبسط مما تبدو:

الذكاء الاصطناعي هو المظلة الكبيرة. تعلم الآلة طريقة داخل هذه المظلة، وهي أن نعلّم النظام بالأمثلة بدل القواعد. الذكاء الاصطناعي التوليدي نوع ينتج محتوى جديدًا بدل أن يصنّف الموجود. ونماذج اللغة الكبيرة هي ما يشغّل أدوات المحادثة مثل ChatGPT.

كل واحد منها أضيق من الذي قبله. مثل دوائر داخل دوائر.

ما الذي لا يفعله؟

لا يعرف أنه على صواب.

النظام لا يملك إحساسًا بالحقيقة. هو ينتج الجواب الأقرب لما تعلّمه، وقد يكون هذا الجواب خاطئًا تمامًا وهو يقدّمه بثقة كاملة.

ولا يفهم السياق الإنساني. لا يعرف أن هذا العميل غاضب منذ شهر، ولا أن هذه الجملة ستُفهم بشكل سيئ في بلدك.

ولا يتحمل المسؤولية. إذا أخطأ، فالذي سيشرح الخطأ هو أنت.

الخلاصة

الذكاء الاصطناعي ليس عقلًا في صندوق، وليس موجة ستمر.

هو مجموعة أدوات تعلّمت من كميات هائلة من الأمثلة كيف تنفّذ مهام محددة بسرعة تفوق قدرتنا. مفيدة جدًا حين تعرف ما تطلب منها، وخطيرة حين تصدّقها دون مراجعة.

والسؤال الحقيقي اليوم لم يعد: هل الآلة ذكية؟

بل: هل أنا أعرف متى أثق بها ومتى لا أفعل؟