كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة صباحًا، وأنا مستلقٍ في سريري أحدق في السقف للمرة الثالثة تقريبًا خلال ذلك الأسبوع. جسدي متعب بما يكفي لينام لأيام متواصلة، لكن عقلي كان يرفض النوم. أفكر في كل شيء، اجتماع الصباح الذي أصبحت أكرهه، التقرير الذي لم أنته منه، الرسائل التي لم أجب عنها، المهمة التي تأخرت في إنجازها، والمشكلة التي يفترض أن أجد لها حلًا قبل أن أجد حلا للمشكلة التي تسبقه.
الغريب أنني لم أكن أكره عملي. هذه ربما أول كذبة نصدقها عن الاحتراق الوظيفي: أننا نحترق لأننا نعمل في مكان لا نحبه، أو لأن شخصًا ما يجبرنا على فعل شيء لا نريده. تجربتي كانت مختلفة. أنا احترقت وأنا أفعل شيئًا كنت أحبه فعلًا، وربما احترقت تحديدًا لأنني أحببته أكثر مما ينبغي.
في سنوات كثيرة من حياتي المهنية، كنت أرى العمل بطريقة بسيطة جدًا: إذا كنت تريد أن تصل، عليك أن تعطي أكثر من الآخرين. كنت أصل مبكرًا، وأغادر متأخرًا، وأحمل المشاكل معي إلى البيت، وأستيقظ وأنا أفكر فيها. لم يكن أحد يحتاج دائمًا إلى أن يطلب مني ذلك. كنت أفعله بنفسي، وبشيء من الفخر أيضًا.
كنت من النوع الذي يمكن أن يظل في المكتب بعدما يغادر الجميع ويشعر في داخله بأنه يفعل الشيء الصحيح. وكنت، في مرحلة من المراحل، أنظر إلى زميل يجمع أغراضه في السادسة مساءً وأتساءل كيف يستطيع أن يغادر والعمل لم ينته بعد.
اليوم، عندما أتذكر ذلك، أضحك قليلًا على نفسي. ربما لم يكن الرجل كسولًا كما كنت أعتقد. ربما كان فقط يفهم شيئًا احتجت أنا إلى سنوات حتى أتعلمه.
في البداية، كان الشغف شيئًا جميلًا
أتذكر بداياتي في العمل، عندما كانت المشكلة الجديدة تثيرني بدل أن ترهقني. كنت أحب تلك اللحظة التي يكون فيها كل شيء غير واضح، ثم تبدأ القطع في التجمع أمامك حتى تجد الحل. كان بإمكاني الحديث لساعات عن المشاريع التي أعمل عليها، وعن الأفكار التي نريد تنفيذها، وعن الأشياء التي سنفعلها «عندما نصل إلى المرحلة المقبلة».
حتى أصدقائي كانوا يسخرون مني أحيانًا لأن معظم أحاديثي تنتهي بطريقة ما عند العمل. مهما بدأ الموضوع بعيدًا، كنت أجد طريقًا لإدخال مشروع جديد أو فكرة أو مشكلة أحاول حلها.
وقتها لم أكن أرى في ذلك مشكلة. بالعكس، كنت أعتبره امتيازًا. هناك أشخاص يستيقظون وهم يكرهون وظائفهم، وأنا كنت أستيقظ وأنا أفكر فيما أريد فعله اليوم. ماذا يمكن أن أطلب أكثر؟
لكن المشكلة في الشغف أنه لا يخبرك متى تبدأ باستعماله ضد نفسك.
لم يحدث شيء كبير في يوم واحد. لم أستيقظ صباحًا وأقرر أنني كرهت العمل. التغيير كان أبطأ من ذلك بكثير، ولهذا ربما لم أنتبه إليه.
في البداية أصبحت أحتاج وقتًا أطول لأبدأ يومي. ثم بدأت بعض الاجتماعات التي كنت أتحمس لها تبدو ثقيلة. الأفكار التي كانت تأتي بسهولة أصبحت تحتاج مجهودًا. الهاتف الذي كنت أفتحه فور وصول أي إشعار منه أصبحت أضعه مقلوبًا فوق الطاولة حتى لا أرى الشاشة.
ثم بدأت أراقب الساعة.
وهذه بالنسبة لي كانت علامة غريبة. أنا الذي كنت في السابق أفاجأ بأن الوقت مر بسرعة، أصبحت أعرف بالضبط كم بقي حتى نهاية اليوم.
لم يقل لي جسدي وقتها: أنت محترق وظيفيًا. الجسد لا يرسل PowerPoint يشرح لك المشكلة. يرسل أشياء أصغر: نومًا سيئًا، صداعًا، توترًا بلا سبب واضح، ضيقًا من أشياء كانت عادية، وعدم رغبة في الحديث مع أحد بعد يوم طويل.
وأنت، بدل أن تستمع، تقول لنفسك: فترة وستمر.
ثم تأتي فترة أخرى.
المشكلة لم تكن أنني أعمل كثيرًا فقط
احتجت وقتًا حتى أفهم أن عدد الساعات لم يكن هو المشكلة الوحيدة. هناك أشخاص يعملون كثيرًا ولا يصلون إلى المرحلة نفسها، وهناك من ينهار دون أن يقضي اثنتي عشرة ساعة في المكتب.
المشكلة عندي كانت أن العمل بدأ يأكل الأشياء الأخرى بهدوء.
لم يعد هناك خط واضح بين الوقت الذي أعمل فيه والوقت الذي لا أعمل فيه. يمكن أن أكون خارج المكتب لكن عقلي داخله. أجلس مع شخص وأسمعه بنصف أذن لأن النصف الآخر يحاول حل مشكلة. أفتح الهاتف «دقيقة واحدة» لأتفقد شيئًا، فأخرج منه بعد نصف ساعة وقد عدت إلى العمل دون أن أنتبه.
حتى الراحة أصبحت مشروعًا يجب أن أنجح فيه. إذا أخذت يومًا دون عمل، أشعر أنني أضيع الوقت. وإذا قضيت ساعتين دون أن أفعل شيئًا «مفيدًا»، يظهر ذلك الصوت الصغير في رأسي ليذكرني بكل الأشياء التي كان يمكن أن أنجزها.
وهذا ربما أخطر شيء فعلته بنفسي: حولت الإنتاجية من سلوك إلى مقياس لقيمتي الشخصية.
إذا أنجزت كثيرًا، فأنا بخير. إذا كان اليوم ضعيف الإنتاجية، أشعر أنني أنا الذي كنت ضعيفًا.
بهذه الطريقة لا تحتاج إلى مدير يضغط عليك. تصبح أنت المدير الأسوأ لنفسك.
كنت أعتقد أن التعب جزء من اللعبة
في بيئات العمل التي عشت داخلها، كان الإرهاق أحيانًا يحمل نوعًا غريبًا من المكانة. الشخص المشغول مهم. الشخص الذي هاتفه لا يتوقف مطلوب. الشخص الذي ليس لديه وقت هو شخص لديه أشياء كبيرة يقوم بها.
كنا نقول لبعضنا: «أنا لم أنم إلا أربع ساعات»، وكأننا نتحدث عن إنجاز رياضي.
ونضحك.
ثم نشرب قهوة أخرى ونكمل.
لا أحد يسأل لماذا أصبح عدم النوم شيئًا نفخر به أصلًا.
وأعترف أنني لم أكن فقط ضحية لهذه الثقافة. كنت جزءًا منها. أعدت إنتاجها، وصدقتها، وربما جعلت آخرين يشعرون أحيانًا بأن عليهم أن يتحملوا الإيقاع نفسه لأنني كنت أتحمله.
هذه واحدة من الأشياء التي لا أحب تجميلها عندما أنظر إلى الماضي. من السهل جدًا أن تروي قصة الـBurnout بطريقة تجعلك الشخص البريء الذي استغلته شركة سيئة. الواقع عادة أكثر تعقيدًا. أحيانًا تكون المؤسسة جزءًا من المشكلة، والمدير جزءًا منها، والضغط جزءًا منها، لكنك أنت أيضًا تفتح الباب كل يوم وتقول: أعطني المزيد، أستطيع التحمل.
إلى أن يأتي يوم لا تستطيع فيه.
الجسد لا يهتم بطموحاتك
أتذكر ليلة كنت أمام الحاسوب عندما بدأ جسدي يتصرف بطريقة لم أفهمها. شعرت بالغثيان والدوار وتسارع نبضات القلب بطريقة أخافتني. في تلك اللحظة لم أفكر في العمل ولا في المشاريع ولا في المواعيد. كل ما فكرت فيه أن هناك شيئًا غير طبيعي يحدث لي.
كانت تلك من اللحظات التي أجبرتني على التوقف والنظر إلى الصورة من الخارج.
لأنني كنت بارعًا جدًا في إيجاد تفسير لكل شيء. متعب؟ تحتاج إلى النوم جيدًا الليلة. متوتر؟ فقط أنجز هذه المهمة وسترتاح. لم تعد متحمسًا؟ ربما تحتاج إلى مشروع جديد. لا تستطيع التركيز؟ اشرب قهوة.
لكل إشارة جواب صغير يسمح لي بتأجيل السؤال الكبير.
إلى أن لم يعد التأجيل يعمل.
لأول مرة بدأت أسأل نفسي ليس: كيف أستعيد إنتاجيتي؟ بل: لماذا وصلت أصلًا إلى مكان أصبحت فيه مجرد فكرة فتح البريد الإلكتروني قادرة على تغيير مزاجي؟
كان هذا سؤالًا أصعب بكثير.
عندما أخذت مسافة، اكتشفت أنني لم أكره العمل
أخذت وقتًا بعيدًا عنه. لم أكن أبحث عن رحلة روحية، ولا عن نسخة جديدة من نفسي. كنت فقط أحتاج إلى الصمت.
في الأيام الأولى، اكتشفت أن الابتعاد عن العمل أصعب مما كنت أتصور. تستطيع أن تغلق الحاسوب، لكن لا يوجد زر يغلق الرأس. كنت أجد نفسي أفكر تلقائيًا في الأشياء نفسها، ثم أتذكر أنني لست مطالبًا بحلها الآن.
وبعد أيام بدأ شيء يتغير.
الأفكار عادت، لكن بطريقة مختلفة. لم تكن تأتي وهي تحمل معها قائمة من المواعيد والمخاوف. كانت مجرد أفكار. وفي لحظة ما فهمت أنني لم أفقد حبي لما أفعله. الذي فقدته هو قدرتي على الاستمتاع به، لأنني وضعت فوقه كمية من الضغط والتوقعات جعلت حتى الأشياء التي أحبها ثقيلة.
الشغف لم يمت.
أنا فقط كنت أخنقه.
العودة لم تكن لحظة بطولية
لم أعد من تلك الفترة شخصًا جديدًا ينام ثماني ساعات، يمارس الرياضة كل صباح، يغلق هاتفه في السادسة، ويعيش حياة مثالية. هذه القصص تصلح أكثر لـLinkedIn مما تصلح للحياة.
عدت وأنا أحمل معي عادات سيئة كثيرة، واحتجت وقتًا لتغييرها. لكن شيئًا واحدًا تغير: لم أعد أرى الحدود كعلامة على ضعف الالتزام.
بدأت أفهم أن هناك فرقًا بين أزمة حقيقية تحتاج منك أن تعمل ليلة كاملة، وبين مؤسسة تعيش في أزمة دائمة حتى تصبح الليالي كلها طبيعية. هناك فرق بين أن تعطي أكثر لأن اللحظة تستحق، وبين أن تجعل «أكثر» هو الحد الأدنى الجديد كل مرة.
وأصبحت أراقب شيئًا آخر: هل أنا أعمل لأن هناك فعلًا ما يجب إنجازه، أم لأنني أشعر بالذنب عندما لا أعمل؟
الفرق بين السؤالين غيّر أشياء كثيرة بالنسبة لي.
بدأت أعيد أشياء صغيرة إلى حياتي لم تكن مرتبطة بأي نتيجة مهنية. وقت مع الناس دون أن يكون الهاتف ضيفًا ثالثًا. هوايات لا أحتاج إلى تحويلها إلى مشروع. ساعات يمكن أن تمر دون أن أسأل نفسي ماذا أنتجت خلالها.
واكتشفت أن الراحة لا تحتاج إلى أن «تفيد» عملي كي تستحق وقتها.
يمكن أن ترتاح فقط لأنك إنسان متعب.
احتجت إلى وقت طويل لأفهم فكرة بهذه البساطة.
أخطر شيء في الـBurnout أنه يستطيع أن يبدو مثل النجاح
من الخارج، قد لا يرى أحد المشكلة.
قد تكون ترقيتك الأخيرة جيدة. مشاريعك تتحرك. الناس يتصلون بك أكثر. لديك مسؤوليات أكبر من قبل، ودخل أفضل، واسم أقوى في السوق.
كل المؤشرات التي تعلمنا أنها تعني أنك تتقدم يمكن أن تكون خضراء.
وأنت من الداخل تنطفئ.
وهنا أصبحت أفهم لماذا يمكن لشخص ناجح مهنيًا أن يصل إلى مرحلة لا يريد فيها فتح حاسوبه صباحًا. الأمر ليس تناقضًا. النجاح المهني والراحة النفسية ليسا الشيء نفسه، رغم أننا نحب التعامل معهما كأن أحدهما يؤدي تلقائيًا إلى الآخر.
أحيانًا تحصل على كل ما كنت تعتقد أنك تريده، ثم تكتشف أن الطريقة التي حصلت بها عليه جعلتك غير قادر على الاستمتاع به.
هذه بالنسبة لي كانت واحدة من أصعب الحقائق.
اليوم أفهم زميلي الذي كان يغادر في السادسة
بعد سنوات، عندما أتذكر نفسي وأنا أنظر باستغراب إلى الأشخاص الذين ينهون عملهم في موعده ويغادرون، أشعر بشيء من الإحراج.
كنت أظن أنني أكثر جوعًا للنجاح منهم.
ربما كان بعضهم فقط يعرف أين ينتهي العمل وأين تبدأ حياته.
لا أعتقد اليوم أن الحل هو أن نتحول جميعًا إلى أشخاص يعملون أقل أو لا يهتمون بما يفعلون. ما زلت أحب العمل، وما زلت أستطيع قضاء ساعات طويلة جدًا عندما أؤمن بشيء أبنيه، وما زالت هناك فترات أعمل فيها أكثر مما ينبغي.
الفرق أنني لم أعد أعتبر ذلك فضيلة في حد ذاته.
السهر ليس إنجازًا.
الضغط ليس هوية.
وأن يحتاجك الجميع طوال الوقت لا يعني دائمًا أنك مهم؛ أحيانًا يعني فقط أن النظام الذي تعمل داخله لم يُبنَ جيدًا.
أما الشغف، فقد تعلمت أن أحترمه أكثر من أن أستهلكه.
لأنك تستطيع أن تحب شيئًا إلى درجة أن تعطيه كل شيء، ثم تكتشف بعد سنوات أنه لم يطلب منك أصلًا أن تعطيه نفسك كاملة.
ولو عدت اليوم إلى تلك الليلة، إلى الثالثة صباحًا، وإلى ذلك الشخص الذي كان يحدق في سقف غرفته وهو يفكر في اجتماع الصباح، لن أقول له أن يكون أقوى، ولا أن ينظم وقته بطريقة أفضل، ولا أن يبحث عن Motivation جديدة.
سأقول له شيئًا أبسط:
ليس مطلوبًا منك أن تحرق نفسك لتثبت أنك تستحق المكان الذي وصلت إليه.
وسيكون عليّ بعد ذلك أن أشرح له فكرة كان سيسخر منها لو سمعها مني قبل سنوات:
ذلك الزميل الذي أغلق حاسوبه في السادسة وغادر؟
ربما كان يفهم العمل أفضل منا جميعًا.