في أواخر 2015، وجدت نفسي وحيدًا أمام سؤال بسيط: من سيقود هذا المركب الآن؟

كان محمد الغيساني قد غادر ليبدأ مشروعه الجديد، “نيكست ميديا”. وتركني وجهًا لوجه مع توفيق بوعشرين، ومع فريق من حوالي عشرين شخصًا، ما بين إداريين وصحفيين ومراسلين وفنيين. أغلبهم، إن لم يكن كلهم، كانت تلك أول تجربة مهنية حقيقية في حياتهم. كانوا طاقة خام، طموحًا بلا حدود، استعدادًا للعمل 24 ساعة على 24 و7 أيام على 7. لكن الطاقة وحدها لا تبني مؤسسة. كان يجب أن تتحول إلى نظام.

سلطانة لم تكن مجرد مجلة نسائية إلكترونية تبحث عن مكان لها. كانت مشروعًا بدأ من الصفر، في سوق تقف فيه مؤسسات خرجت من عهد الديناصورات: أسماء كبيرة، علاقات قوية، تمويل، وتاريخ. أما نحن فمجموعة شباب بميزانية محدودة، وعلاقات محدودة، وتجربة محدودة، لكن بشيء واحد لا يُشترى بسهولة: الجرأة. كنا قادرين على الوصول إلى أي شخص، والدخول إلى أي مكان، وطرح أي سؤال، لأننا لم نملك رفاهية الخوف.

وجدت نفسي أفعل كل شيء تقريبًا. أقرر، أدرّب، أواكب، أوافق، أرفض، أوظّف، أراقب، أراجع، أهدّئ، أضغط، وأدفع الفريق كل يوم خطوة إلى الأمام. لم أكن رئيس تحرير بالمعنى التقليدي. كنت رئيس تحرير برتبة رجل إطفاء، ومدير موارد بشرية، ومسؤول نمو، ومدير منتج، ومسؤول عمليات، ومفاوضًا تجاريًا حين تقتضي الحاجة.

كان عدد الزوار نقطة الصراع اليومية. من جهة، توفيق بوعشرين يريد أرقامًا أكبر وحضورًا أقوى وموقعًا يتقدم بسرعة. ومن جهة أخرى، الفريق التجاري الذي يطرق بابي كل يوم تقريبًا: نحتاج أفكارًا جديدة، نحتاج شيئًا نقدمه للمعلنين، نحتاج طريقة نقنع بها الشركات أن سلطانة ليست مجرد موقع جديد، بل منصة تصل إلى جمهور نسائي حقيقي وتؤثر فيه.

وهنا تعلمت أول درس عملي في حياتي المهنية: المحتوى لا يعيش وحده. يجب أن يفهم الجمهور، ويخدم العلامة، ويفتح بابًا للبيع، ويحافظ في الوقت نفسه على روح التحرير. كان عليّ أن أتعلم كيف أوازن بين الصحافة والتسويق، بين ما يريده القارئ وما يطلبه المعلن، بين سرعة النشر وجودة الصورة، بين جرأة الفريق وحدود المسؤولية.

كان يومي يبدأ قبل الجميع. في السابعة صباحًا أكون أول من يصل المكتب. أراجع الأرقام، أقرأ ما نشرناه، أبحث عمّا يمكن أن نصنعه، أرتّب الأولويات، وأحضّر لليوم قبل أن يصل أحد. في التاسعة يبدأون بالدخول تباعًا، فيجدون أن اليوم قد بدأ فعلًا. من هناك يمضي الوقت بسرعة غريبة: اجتماع، عنوان، اتصال، خبر عاجل، فكرة فيديو، تنسيق مع مصوّر، متابعة مع ضيف، ضغط من الإدارة، طلب من التجاري، نقاش مع صحافية، تعديل منشور، مراجعة أرقام، ثم فجأة أرفع رأسي فأجد المكتب فارغًا والساعة تقترب من منتصف الليل.

لم يكن لديّ وقت لأسأل نفسي هل أنا متعب أم لا. لم أكن أعرف شيئًا آخر غير العمل. لكنني، وسط ذلك الضغط، كنت أتعلم ما لا يُدرّس في أي مدرسة: كيف تبني فريقًا من أشخاص لا يملكون التجربة لكن يملكون الرغبة. كيف تحوّل الحماس إلى إنتاج يومي. كيف تخلق ثقافة داخلية تجعل الناس يشعرون أن المشروع مشروعهم. كيف تدرّب شخصًا لا يعرف السوق بعد، ثم تجعله قادرًا على محاورة المشاهير، وحضور الندوات، وإنتاج القصص، ورفع مستوى الموقع كل أسبوع.

وتعلمت أن إدارة مجلة نسائية إلكترونية ليست مجرد أخبار فن وموضة وجمال. هي فهم لسلوك الجمهور، وللترند، وللصورة، وللعلاقة مع المشاهير ووكالات التواصل والعلامات التجارية، ولحساسية المحتوى الموجّه للنساء في مجتمع مثل المغرب. كان يجب أن نكون خفيفين دون أن نكون سطحيين، قريبين من الناس دون أن نفقد المهنية، جريئين دون أن نصبح فوضويين.

بعد أقل من ستة أشهر من قيادتي لها، أصبحت سلطانة المجلة النسائية الأولى في المغرب. لم يعد حضورنا يحتاج إلى شرح طويل. صار الفنانون والمصممون والمؤثرون ووجوه الموضة يريدون الظهور في صفحاتها. وبدأت وكالات التواصل والعلاقات مع الصحافة تطلب أن تكون سلطانة حاضرة في الندوات والحفلات والإطلاقات واللقاءات الخاصة. لم نعد نركض خلف الخبر وحده؛ صار الخبر أحيانًا ينتظرنا كي نحضره.

ذلك النجاح لم يكن صدفة. كان نتيجة تفاصيل يومية صغيرة لا تظهر في الخارج: بناء فريق، تدريب مستمر، سرعة تنفيذ، قراءة أرقام، فهم جمهور، خلق علاقات، ابتكار زوايا، إنتاج محتوى قابل للمشاركة، وربط التحرير بالنمو دون قتل هوية المجلة. فتحنا أعين ملّاك مؤسسات إعلامية كثيرة في المغرب على مجال لم يكن له اسم واضح قبلنا، ثم ازدحم بعدنا بالعشرات.

هناك تعلمت أول نسخة حقيقية من نفسي المهنية: شخص يدخل وسط الفوضى، يفهمها، يرتبها، ويبني منها نتيجة يمكن قياسها. لم أكن أملك الموارد الكبيرة، لكنني اكتشفت أن ما يبني الأشياء الكبيرة ليس المال دائمًا، بل فريق يؤمن، ونظام يوجّه، وجرأة تفتح الأبواب، وقيادة تقبل أن تكون في الصف الأول حين يشتد الضغط.