اقرأ هذه الجملة: «وضعت الكتاب على الطاولة لأنه كان ثقيلًا.»
على ماذا يعود «هو» في «لأنه»؟ على الكتاب، طبعًا.
الآن: «وضعت الكتاب على الطاولة لأنها كانت قريبة.» هنا العودة على الطاولة.
أنت حسمت هذا في جزء من الثانية، ودون أن تنتبه أنك رجعت بعينيك إلى بداية الجملة. هذه القدرة — أن تنظر إلى كل الكلمات دفعة واحدة وتقرر أيها يرتبط بأي — هي بالضبط ما يفعله Transformer.
ما هو Transformer؟
Transformer، أو بنية المحوّلات، هي طريقة لتصميم نماذج الذكاء الاصطناعي تسمح للنموذج بالنظر إلى النص كله في وقت واحد بدل قراءته كلمة كلمة بالترتيب.
وهي البنية التي تشتغل خلف ChatGPT وClaude وGemini وتقريبًا كل أداة لغوية تستعملها اليوم. الحرف T في اسم GPT يعني Transformer. وكل نموذج لغة كبير تسمع عنه اليوم مبني عليها.
ما الذي كان قبلها؟
قبلها، كانت النماذج تقرأ النص كما نقرأ نحن: كلمة، ثم التي بعدها، ثم التي بعدها.
والمشكلة أن ما يُقرأ أولًا يبهت. حين تصل إلى نهاية فقرة طويلة، يكون النموذج قد نسي تقريبًا كيف بدأت. مثل شخص يستمع إلى قصة طويلة عبر الهاتف مع تقطّع في الصوت.
ولأن القراءة متسلسلة، لم يكن ممكنًا تسريعها. كل كلمة تنتظر التي قبلها.
ما الذي غيّرته؟
شيئان.
الأول: النظر إلى الكل دفعة واحدة. بدل التسلسل، يفحص Transformer كل كلمات النص معًا ويحسب مدى ارتباط كل كلمة بكل كلمة أخرى. لهذا يعرف أن «لأنه» تعود على الكتاب لا على الطاولة، حتى لو فصلت بينهما عشر كلمات.
هذه الآلية تسمى الانتباه، أو Attention. والاسم موفّق هذه المرة: النموذج يقرر على أي أجزاء من النص «ينتبه» عند معالجة كل كلمة.
الثاني: إمكانية التوازي. لأن الكلمات لم تعد تنتظر بعضها، أصبح ممكنًا تدريب النموذج على آلاف المعالجات في وقت واحد.
وهذا هو السبب الحقيقي في أن هذه النماذج صارت بهذا الحجم. لم تصبح الفكرة أذكى فحسب، بل أصبح التدريب عمليًا.
لماذا يهمّك هذا؟
لأنه يفسّر سلوكًا تلاحظه يوميًا في الأدوات.
حين تعطي النموذج نصًا طويلًا ثم تسأله عن تفصيل في أوله، فهو قادر على العودة إليه. هذا بفضل Attention.
وحين يبدأ في الارتباك مع النصوص الطويلة جدًا، فذلك لأن حساب علاقة كل كلمة بكل كلمة يصبح مكلفًا بسرعة كلما طال النص. ولهذا توجد نافذة سياق تحدّد ما تستطيع لصقه في المحادثة الواحدة.
الخلاصة
Transformer هو السبب التقني وراء القفزة التي عشناها في السنوات الأخيرة.
فكرته في جوهرها بسيطة: لا تقرأ بالترتيب، انظر إلى كل شيء واحسب ما يرتبط بماذا.
ومع ذلك، فهو ما زال يحسب علاقات بين كلمات. لا يفهم القصة، ولا يعرف إن كان ما يقوله صحيحًا. هو فقط يحسن جدًا معرفة أي الكلمات تخصّ أيها.
