قبل أيام، جلست مع مجموعة من الأصدقاء القدامى في مقهى هادئ وسط المدينة. لم نلتقِ منذ مدة طويلة، لذلك كان من الطبيعي أن يبدأ الحديث بالسؤال المعتاد: ماذا تفعل الآن؟ وكيف تسير الأمور معك؟ واحد ما زال يعمل في الصحافة، وآخر اختار التصوير، وأخرى بنت مسارها في التسويق الرقمي، وصديق آخر أصبح طبيبًا بعد سنوات طويلة من الدراسة. من الخارج، تبدو المسارات مختلفة جدًا، ولكل واحد منا قصة خاصة به، لكن كلما طال الحديث بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا يجمعنا جميعًا رغم اختلاف أعمالنا: الحماس الذي كان لدينا في البداية لم يعد كما كان.
حين لا يعود الحماس كما كان
لم يقل أحد بشكل مباشر إنه يكره عمله، ولم يكن بيننا من يخطط لترك كل شيء والبدء من الصفر. بالعكس، أغلبنا يعمل في مجالات اختارها بنفسه وكان يحلم في وقت ما بالوصول إليها. لكن كانت هناك تلك الجملة التي تظهر كل مرة بصيغة مختلفة: “لم أعد أشعر بنفس الشغف”.
مريم قالت إنها كانت تستيقظ في السنوات الأولى متحمسة لفتح حاسوبها وبدء العمل، بينما أصبحت اليوم تحتاج إلى وقت طويل فقط لتقنع نفسها بالبدء. وأما سامي قال إنه كان في سنوات الدراسة يستطيع أن يقضي الليل كاملًا يقرأ ويتعلم دون أن يشعر بالوقت، أما اليوم فأصبح ينظر إلى الساعة أكثر مما ينظر إلى العمل نفسه.
خرجت من ذلك اللقاء وأنا أفكر في سؤال بدا بسيطًا في البداية، لكنه كلما فكرت فيه أصبح أعقد: لماذا يصل الإنسان إلى مرحلة يفقد فيها الحماس لشيء كان يحبه فعلًا؟ وهل هذا يعني دائمًا أنه اختار المجال الخطأ، أم أن المشكلة أحيانًا ليست في العمل أصلًا، وإنما في الطريقة التي أصبحت بها حياتنا المهنية تعمل؟
ربما جزء من المشكلة أننا تربينا خلال السنوات الأخيرة على تصور رومانسي جدًا للشغف. قيل لنا إننا إذا وجدنا العمل الذي نحبه فلن نشعر بأننا نعمل يومًا واحدًا في حياتنا، وإن الشخص الناجح يستيقظ كل صباح متحمسًا لما يفعله، وإن فقدان الحماس علامة واضحة على أنك في المكان الخطأ. هذه الأفكار تبدو جميلة جدًا عندما نقرأها في كتاب أو منشور تحفيزي، لكنها لا تشبه الحياة كثيرًا.
حتى العمل الذي تحبه يمكن أن يرهقك. وحتى المشروع الذي حلمت به سنوات يمكن أن يأتي يوم تشعر فيه أنك لا تريد رؤيته. وحتى المهنة التي اخترتها بكامل إرادتك يمكن أن تمر فيها بفترات يصبح فيها الحماس أقل، دون أن يعني ذلك أنك اتخذت قرارًا خاطئًا. علاقتنا بالعمل، مثل أي علاقة أخرى في حياتنا، ليست خطًا مستقيمًا. فيها فترات حماس، وفترات هدوء، وفترات ملل، وأحيانًا فترات شك كامل في كل ما نفعله.
لكن المشكلة أننا لا نتعامل مع هذه المراحل على أنها شيء طبيعي. بمجرد أن يقل الحماس، نبدأ في طرح أسئلة كبيرة جدًا على أنفسنا: هل ما زلت أحب ما أفعله؟ هل أحتاج إلى تغيير مجالي؟ هل أضعت سنوات من حياتي في الطريق الخطأ؟ بينما قد تكون الإجابة أحيانًا أبسط من كل ذلك: ربما أنت فقط متعب.
هل المشكلة فعلًا في العمل؟
لأن طريقة العمل نفسها تغيرت بشكل كبير. يومك لم يعد يبدأ عندما تصل إلى مكتبك وينتهي عندما تغادر. العمل أصبح معك طوال الوقت تقريبًا. تستيقظ فتجد رسائل تنتظرك، تفتح حاسوبك فتبدأ الإشعارات، ثم الاجتماعات، ثم الرسائل، ثم المهام المستعجلة التي تتغير أولوياتها أكثر من مرة خلال اليوم. تمر ساعات وأنت مشغول فعلًا، لكن في نهاية اليوم قد تجد صعوبة في تحديد الشيء الحقيقي الذي أنجزته.
ومع الوقت، يصبح هذا الإيقاع طبيعيًا لدرجة أننا نتوقف عن ملاحظته. ننتقل من مهمة إلى أخرى، ومن تطبيق إلى آخر، ومن اجتماع إلى رسالة، دون أن نمنح أنفسنا وقتًا كافيًا للانغماس الحقيقي في أي شيء. وهنا قد لا يكون ما نفقده هو الشغف فقط، بل علاقتنا أصلًا بالعمل الذي كنا نحبه.
هناك فرق كبير بين أن تكون صحفيًا لأنك تحب البحث عن القصص وكتابتها، وبين أن تقضي يومك كاملًا في اجتماعات ومتابعة أرقام الأداء. هناك فرق بين أن تحب التصوير، وبين أن يتحول يومك إلى مفاوضات مع العملاء وفواتير وتسليمات. وهناك فرق بين أن تحب بناء المشاريع، وبين أن تصبح كل أيامك مخصصة لحل المشاكل التشغيلية وإطفاء الحرائق. أحيانًا لا يختفي الشيء الذي أحببناه، نحن فقط نبتعد عنه تدريجيًا حتى لا نعود نراه وسط كل التفاصيل التي جاءت معه.
هل نطلب من العمل أكثر مما يستطيع أن يمنحنا؟
ثم هناك جانب آخر لا نتحدث عنه كثيرًا: نحن نطلب من العمل اليوم أشياء كثيرة جدًا. لم يعد يكفينا أن يوفر لنا دخلًا جيدًا وحياة مستقرة، نريد منه أيضًا أن يمنحنا المعنى، والإنجاز، والتقدير، والهوية، والمكانة، والحرية، والإحساس بأننا نعيش حياة تستحق أن نحكي عنها. نحمل وظيفة واحدة كل هذه التوقعات، ثم نستغرب عندما تعجز عن تلبية بعضها.
ربما لهذا أصبح فقدان الشغف مؤلمًا بهذا الشكل. لأننا لم نربط بالعمل فقط مصدر دخلنا، بل ربطنا به جزءًا كبيرًا من صورتنا عن أنفسنا. عندما يسألك أحدهم من أنت، من السهل جدًا أن تجيب باسم مهنتك: أنا صحفي، أنا طبيب، أنا رائد أعمال، أنا مصمم. ومع الوقت يصبح التراجع في علاقتك بالعمل وكأنه تراجع في علاقتك بنفسك.
لكن الإنسان أكبر من وظيفته، والحياة أكبر من المسار المهني مهما كان مهمًا. هناك معنى يأتي من الناس الذين نحبهم، ومن الأشياء التي نفعلها دون مقابل، ومن الهوايات، ومن الهدوء، ومن الوقت الذي لا ننتج فيه شيئًا على الإطلاق. وربما جزء من راحتنا يبدأ عندما نتوقف عن مطالبة العمل بأن يمنحنا كل شيء.
لهذا لم أعد مقتنعًا كثيرًا بفكرة البحث المستمر عن الشغف. ربما السؤال الأفضل ليس: هل ما زلت شغوفًا بعملي؟ بل: هل ما أفعله ما زال يحمل معنى بالنسبة إليّ؟ هل ما زلت أتعلم؟ هل حياتي فيها مساحة لأشياء أخرى غير العمل؟ وهل الثمن الذي أدفعه مقابل هذا المسار ما زال يستحق؟
لأن الشغف بطبيعته يتغير. يأتي في فترات، يهدأ في فترات أخرى، ثم يعود أحيانًا من مكان لم نتوقعه. والمشكلة ليست في أن نشعر بالفتور من حين إلى آخر، بل أن نفسر كل فتور على أنه علامة فشل، أو نطلب من أنفسنا أن نعيش الحماس نفسه كل يوم لسنوات طويلة.
ربما النضج الحقيقي في علاقتنا بالعمل يبدأ عندما نتقبل أن هناك أيامًا سنحبه فيها، وأيامًا سنؤديه فقط لأنه مسؤوليتنا، وأيامًا سنحتاج فيها إلى الابتعاد قليلًا حتى نستطيع العودة إليه بشكل أفضل. ليس كل تراجع في الحماس نهاية، وليس كل ملل دليلًا على أننا في المكان الخطأ. أحيانًا هو مجرد تذكير بسيط بأن العمل جزء من حياتنا، وليس الحياة كلها.
