خلال أكثر من ثلاثة عشر عامًا من العمل داخل شركات مختلفة، صغيرة وكبيرة، محلية ودولية، لاحظت شيئًا يتكرر بطريقة غريبة. في كل مكان تقريبًا، كنت أجد أشخاصًا يعرفون مشاكل الشركة جيدًا، يفهمون المنتج، الزبناء، السوق، وحتى التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في التقارير، ومع ذلك تمر أفكارهم أحيانًا كأنها مجرد ملاحظات جانبية لا تستحق التوقف عندها.
ثم يحدث شيء غريب بعد أشهر.
تأتي نفس الفكرة تقريبًا من شخص جديد، أو من مستشار خارجي، أو من مدير تم توظيفه مؤخرًا، وفجأة تصبح الفكرة مهمة، وتدخل الاجتماعات، وتُفتح لها الميزانيات، وتتحول من “اقتراح يمكن دراسته لاحقًا” إلى “توجه استراتيجي جديد”.
في كل مرة كنت أرى هذا المشهد، كنت أتذكر المثل الشعبي القديم: “مطرب الحي لا يُطرب”.
حين تصبح الفكرة أقوى لأنها جاءت من الخارج
في إحدى الشركات التي عملت بها، كان هناك شخص يعرف المنتج بشكل عميق جدًا. لم يكن فقط يفهمه من الجانب التقني، بل كان يعرف أيضًا كيف يستخدمه الناس فعلًا، وما الذي يزعجهم، وأين يتوقفون، وما التفاصيل الصغيرة التي تجعل تجربتهم أصعب مما يجب.
كان يقترح باستمرار تعديلات بسيطة لكنها ذكية، مبنية على احتكاك حقيقي بالمستخدمين. لم تكن أفكاره خيالية ولا مكلفة، بل كانت غالبًا من النوع الذي تقول عنه عندما تسمعه: نعم، هذا منطقي.
لكن الرد كان يتكرر تقريبًا بنفس الشكل: “فكرة جيدة، سنعود إليها لاحقًا”.
وبعد أشهر، جاء شخص جديد إلى الفريق. كان حديث التجربة مقارنة بزميله، لكنه يعرف كيف يتكلم جيدًا، وكيف يبني عرضًا بصريًا مقنعًا، وكيف يستخدم اللغة التي يحب أصحاب القرار سماعها. بدأ يتحدث عن تجربة المستخدم، والاحتكاك، وتحسين الرحلة، وتقليل نقاط التسرب، وفي النهاية قدم تقريبًا نفس الأفكار التي كانت مطروحة منذ أشهر.
هذه المرة، لم نسمع “سنفكر في الأمر”.
هذه المرة، جاءت الموافقة.
المفارقة هنا لم تكن في أن الشخص الجديد سيئ، ولا أن أفكاره بلا قيمة. بالعكس، ربما كان يعرف كيف يقدمها بطريقة أفضل. لكن السؤال الذي بقي معي هو: لماذا احتاجت الفكرة إلى شخص آخر حتى تصبح مرئية؟
لماذا لا نرى خبراءنا وهم بجانبنا؟
مع الوقت، بدأت ألاحظ أن السبب ليس واحدًا، ولا أعتقد أن هناك مؤامرة ضد الموظفين القدامى كما يحب البعض أن يصور الأمر. المسألة غالبًا أبسط وأكثر إنسانية من ذلك.
نحن نتعود على الأشخاص الذين نراهم كل يوم. نعرف نقاط قوتهم، لكننا نعرف أيضًا أخطاءهم، ترددهم، الأيام التي كانوا فيها أقل أداءً، العروض التي لم تكن موفقة، والطريقة التي يتصرفون بها في التفاصيل الصغيرة. هذه المعرفة تجعل صورتهم في أذهاننا كاملة جدًا، وأحيانًا أكثر من اللازم.
أما الشخص القادم من الخارج، فنراه في نسخة مصقولة. نراه في اجتماع محدد، بملابس مناسبة، وعرض مرتب، وكلمات محسوبة. لا نعرف أخطاءه السابقة، ولا لحظات ضعفه، ولا المشاريع التي فشل فيها. نراه فقط في اللحظة التي جاء فيها ليقدم نفسه كخبير.
وهذا وحده يخلق فارقًا كبيرًا في الانطباع.
هناك أيضًا عامل آخر أراه يتكرر كثيرًا: بعض الأشخاص يعرفون الفكرة، لكنهم لا يعرفون كيف يبيعونها داخليًا. يقولونها كما هي، مباشرة وبسيطة، بينما شخص آخر يأخذ نفس الفكرة، يضعها داخل عرض أنيق، يربطها بأهداف الشركة، يضيف أرقامًا، ويمنحها اسمًا كبيرًا، فتبدو فجأة وكأنها أكثر عمقًا.
وهنا تظهر واحدة من أهم الدروس التي تعلمتها مهنيًا: الفكرة الجيدة لا تكفي دائمًا.
طريقة تقديمها مهمة أيضًا.
المشكلة ليست فقط ظلم الموظف
أحيانًا نتحدث عن هذا الموضوع وكأنه فقط قصة موظف موهوب لم يأخذ حقه، لكن بالنسبة لي المشكلة أكبر من ذلك.
الشركة نفسها تخسر.
عندما تتجاهل المعرفة الموجودة داخل فرقها، فهي لا تخسر فقط شخصًا كان يمكن أن يساهم أكثر، بل تخسر أيضًا وقتًا ومالًا وفرصًا كان يمكن استغلالها قبل أشهر.
وفي بعض الحالات، المشهد يصبح ساخرًا جدًا: الشركة تدفع رواتب لأشخاص يعرفون مشاكلها من الداخل، ثم تدفع مرة أخرى لمستشار خارجي حتى يعيد لها نفس المشاكل في PowerPoint أجمل.
المستشار الخارجي يمكن أن تكون له قيمة حقيقية، خصوصًا عندما يأتي بمنظور جديد أو خبرة لا توجد داخل الشركة. لكن المشكلة تبدأ عندما نمنحه تلقائيًا وزنًا أكبر فقط لأنه جاء من الخارج، ونقلل من قيمة الأشخاص الذين يعيشون المشكلة كل يوم.
أفضل القرارات غالبًا لا تأتي من اختيار واحد بين الداخل والخارج، بل من الجمع بين الاثنين.
الموظف الداخلي يعرف التاريخ، التفاصيل، العوائق الحقيقية، وما الذي جُرّب سابقًا. الشخص الخارجي يمكن أن يأتي بزاوية جديدة، وتجارب مختلفة، وأسئلة لا يفكر فيها الفريق لأنه اعتاد على الوضع.
عندما يعمل الطرفان معًا، هنا تكون القيمة الحقيقية.
الفكرة الجيدة وحدها لا تكفي
هذا الموضوع علمني أيضًا درسًا لم يكن سهلًا بالنسبة لي في البداية.
لفترة طويلة، كنت أعتقد أن الفكرة إذا كانت جيدة بما يكفي، فهي ستفرض نفسها بنفسها.
لكن الواقع لا يعمل دائمًا بهذه الطريقة.
صاحب القرار لا يرى كل ما تراه أنت. قد يكون أمامه عشرات الملفات، ميزانيات، ضغوط، أولويات متضاربة، ومخاطر لا تعرفها. عندما تأتيه وتقول: “عندي فكرة ممتازة”، فهذا وحده لا يكفي غالبًا.
مع الوقت، بدأت أفهم أنني إذا أردت لفكرة ما أن تتحرك، فعلي أن أساعدها على أن تصبح قرارًا.
يعني أن أوضح المشكلة أولًا، وأشرح لماذا تهم الشركة، وما أثرها، وما الذي سيحدث إذا لم نفعل شيئًا، وما التكلفة، وما النتيجة المتوقعة، وكيف يمكن اختبار الفكرة بأقل مخاطرة ممكنة.
الفارق هنا كبير جدًا.
أنت لم تعد فقط شخصًا يقترح.
أنت أصبحت شخصًا يسهل اتخاذ القرار.
وهذه مهارة مختلفة تمامًا.
التوقيت أحيانًا أهم مما نعتقد
هناك جانب آخر تعلمت أن أكون أكثر إنصافًا معه.
ليس كل مرة تُرفض فيها فكرتك ثم تُقبل لاحقًا من شخص آخر معناها أن أحدًا سرقها أو أن الشركة لا تقدر موظفيها. أحيانًا يكون التوقيت ببساطة مختلفًا.
قد تكون الميزانية غير متاحة عندما طرحت الفكرة أول مرة. قد لا تكون المشكلة مؤلمة بما يكفي بعد. قد تكون الأولويات مختلفة. وقد يأتي المستشار أو الموظف الجديد في لحظة أصبحت فيها الإدارة أصلًا جاهزة لاتخاذ القرار.
لهذا أصبحت أحاول التفريق بين أمرين: هل الفكرة رُفضت لأنها سيئة؟ أم أنها لم تجد توقيتها وطريقة تقديمها المناسبين؟
هذا الفرق مهم، لأنه يحمينا من الوقوع في دور الضحية كل مرة لا يتم فيها تبني اقتراح لنا.
لكن في المقابل، الشركات أيضًا تحتاج أن تكون صادقة مع نفسها. إذا كانت نفس الأفكار تظهر مرارًا من داخل الفريق ثم لا تصبح مهمة إلا عندما تأتي من الخارج، فهذه ليست صدفة كل مرة.
قد تكون هناك مشكلة فعلًا في طريقة الاستماع.
الشركات الذكية تعرف كيف تستمع قبل أن تبحث بعيدًا
خلال مساري، رأيت تجارب مختلفة تمامًا، وبعضها كان ناجحًا بشكل واضح لأنها أعطت مساحة حقيقية للأفكار الداخلية بدل التعامل معها كشيء جانبي.
في إحدى الشركات، كان هناك اجتماع أسبوعي مخصص فقط للنقاش الحر. لم يكن الهدف تقديم تقارير أو متابعة KPIs، بل إعطاء الفريق مساحة لاقتراح أفكار، مناقشة مشاكل، وتجربة حلول صغيرة. الأهم أن بعض الأفكار لم تكن تحتاج إلى موافقات معقدة، بل كانت تُمنح فرصة للاختبار أولًا، ثم يتم الحكم عليها بناءً على النتيجة.
في تجربة أخرى، عندما كانت الشركة تستعين بخبراء خارجيين، لم يكن المستشار يعمل في جزيرة منفصلة. كان يُدمج مباشرة مع الفريق الداخلي، بحيث تأتي الخبرة الجديدة من الخارج، لكن تظل المعرفة اليومية الموجودة داخل الشركة جزءًا من القرار.
هذا النوع من النماذج منطقي أكثر بالنسبة لي، لأنه لا يفترض أن الحقيقة موجودة فقط داخل الشركة، ولا أنها موجودة فقط خارجها.
هو ببساطة يضع الخبرتين معًا.
وكيف يحمي الموظف فكرته من الاختفاء؟
من جهة الموظف، تعلمت أن الشكوى وحدها لا تغير كثيرًا.
إذا كنت تعمل داخل مؤسسة، وتعرف أن عندك أفكارًا جيدة، فهناك جزء من المسؤولية يقع عليك أيضًا. ليس في أن تتحول إلى بائع كلام، ولكن في أن تتعلم كيف تجعل فكرتك واضحة ومقنعة وقابلة للتنفيذ.
تعلمت أن أوثق الأفكار بدل أن تبقى مجرد كلام في اجتماع. أن أرسلها مكتوبة، أن أربطها بأرقام أو أهداف واضحة، وأن أشاركها أحيانًا مع أشخاص آخرين قبل عرضها رسميًا حتى أرى أين نقاط ضعفها.
تعلمت أيضًا أن بناء الدعم الداخلي مهم. الفكرة التي يعرفها أكثر من شخص، ويفهم فائدتها أكثر من قسم، يكون من الصعب جدًا أن تختفي بسهولة.
وفي نفس الوقت، تعلمت ألا أتعامل مع كل رفض وكأنه رفض لي أنا شخصيًا. هذه ربما واحدة من أصعب المهارات، لأن الإنسان يرتبط بأفكاره بسهولة، وكل مرة تُرفض فيها فكرة يشعر أن جزءًا منه هو الذي رُفض.
لكن هذا ليس صحيحًا دائمًا.
الفكرة يمكن أن تكون جيدة، والتوقيت سيئ. يمكن أن تكون جيدة، لكن طريقة عرضها ضعيفة. ويمكن ببساطة أن تكون أقل جودة مما كنت أعتقد.
المهم أن أعرف الفرق.
مطرب الحي يحتاج من يسمعه
بعد كل هذه السنوات، لا أعتقد أن مشكلة “مطرب الحي لا يُطرب” ستختفي بالكامل. نحن كبشر سنتأثر دائمًا بالشكل، بالجِدة، وبالهالة التي يأتي بها الشخص الجديد، وسيبقى للرأي الخارجي وزن مختلف في كثير من المواقف.
لكن المؤسسات الذكية تستطيع تقليل هذا الانحياز إذا بنت ثقافة تستمع فيها بجدية إلى الأشخاص الذين يعيشون المشاكل من الداخل، وتمنح الأفكار فرصة للاختبار قبل الحكم عليها.
والموظف الذكي أيضًا لا ينتظر أن يفهم الجميع قيمة فكرته تلقائيًا، بل يتعلم كيف يقدمها، يوثقها، ويربطها بالواقع الذي يهم أصحاب القرار.
في النهاية، قبل أن تبحث الشركة عن خبير جديد يخبرها بما يجب أن تفعله، ربما عليها أن تتوقف قليلًا وتسأل الأشخاص الذين يعيشون المشكلة كل يوم.
أحيانًا، الكنز الذي نبحث عنه بعيدًا يكون أصلًا مدفونًا تحت أقدامنا.