لا أحد يدخل إلى الستارتاب وهو يعتقد أنه ذاهب إلى الاستغلال. على الأقل، لم أرَ الأمر يحدث بهذه الطريقة. غالبًا تبدأ الحكاية بشكل أجمل بكثير: مكتب صغير، مؤسس يتكلم بحماس، منتج لم يكتمل بعد، فريق يمكن أن تعد أفراده على أصابع اليد، وأفكار أكبر بكثير من الحساب البنكي للشركة. تجلس معه ساعة أو ساعتين، فتنسى في لحظة ما أنك تناقش وظيفة، وتبدأ تناقش المستقبل. هو يقول مشروعنا، وبعد قليل تجد نفسك أنت أيضًا تقول شركتنا.

أعرف هذا الشعور جيدًا، وربما وقعت فيه أكثر من مرة لأنني أحب أصلًا المشاريع التي لم تكتمل بعد. أحب المكان الذي تدخل إليه فتجد كل شيء مبعثرًا: الفريق يحتاج إلى بناء، المنتج يحتاج إلى فهم، الأرقام تحتاج إلى من يقرأها، والمشاكل أكثر من الناس الذين يفترض أن يحلوها. في المشاريع الكبيرة يمكن أن تقضي سنوات داخل خانة صغيرة من آلة ضخمة، أما في الستارتاب فتدخل صباحًا لحل مشكلة في المحتوى، وبعد الظهر تجد نفسك تناقش المنتج، وفي المساء تحاول فهم لماذا انخفضت المبيعات. هذا النوع من الفوضى علمني كثيرًا، لكنه علمني أيضًا شيئًا آخر احتجت إلى سنوات لأراه بوضوح: الفوضى بيئة ممتازة للتعلم، وبيئة ممتازة أيضًا للاستغلال.

في المغرب، يصبح الأمر أغرب قليلًا، لأننا استوردنا تقريبًا كل قاموس الستارتاب الحديث قبل أن نستورد شروطه. نتحدث عن Ownership وAgility وGrowth وHigh Performance وThink Like a Founder، لكن عندما تصل إلى أكثر كلمة عملية في هذه القصة كلها، وهي Compensation، نعود فجأة إلى واقع آخر تمامًا. السوق المغربي محدود، الشركة ما زالت في بدايتها، الاستثمار لم يدخل بعد، والـrunway يجب أن نحافظ عليه. كل هذا مفهوم، إلى أن تكتشف أن الشيء الوحيد الذي لا يفترض أن تكون له حدود هو ما يمكن أن يُطلب منك.

يبحثون عن Content Manager يعرف السوشيال ميديا والإعلانات والتصميم قليلًا، ولا بأس إن كان يفهم SEO ويستطيع تصوير فيديو عندما يغيب المصور. يبحثون عن Marketing Manager لكن من الأفضل أن يكون قادرًا أيضًا على إدارة فريق ومتابعة المبيعات والتحدث مع الوكالات وفتح Analytics بنفسه. أما إذا كان يعرف استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي، فقد أصبح بإمكاننا الآن أن نطلب منه عمل شخصين إضافيين ونحن مرتاحو الضمير، لأن التكنولوجيا “سهّلت العمل”.

في الشركات المنظمة، عندما تحتاج إلى خمس وظائف توظف خمسة أشخاص، أو على الأقل تعترف بأن شخصًا واحدًا يقوم بخمس وظائف. أما في بعض الستارتابات عندنا، فقد اخترعنا حلًا اقتصاديًا أكثر عبقرية: نبحث عن شخص واحد، نعطيه لقبًا جميلًا، ثم نسمي غياب الموارد “فرصة للتعلم”.

وفي البداية يعجبك الأمر فعلًا. فجأة أصبحت تجلس في اجتماعات لم يكن منصبك يسمح لك بالجلوس فيها سابقًا، وتأخذ قرارات أكبر من سنوات خبرتك، وتتعلم في شهر ما كان يمكن أن تحتاج عامًا لتتعلمه في مكان آخر. وهذا جزء حقيقي من سحر الستارتاب ولا أريد إنكاره. المشكلة أن الشيء نفسه الذي يجعلك تتعلم بسرعة يجعل الحدود بين ما هو فرصة وما هو استغلال غير واضحة.

تقبل أول تنازل لأن الشركة في البداية. تعمل مساءً لأن هناك إطلاقًا غدًا. تفتح الحاسوب يوم الأحد لأن هناك مشكلة لا يمكن أن تنتظر. ترد على WhatsApp في منتصف الليل لأنك رأيت الرسالة أصلًا، فما معنى أن تتظاهر أنك لم ترها؟ وبعد مدة قصيرة يحدث شيء غريب: كل الاستثناءات التي قدمتها بإرادتك تتحول إلى حقوق مكتسبة للشركة.

لا أحد يخبرك بأن دوامك أصبح أربعًا وعشرين ساعة. الأمر أكثر أناقة من ذلك. فقط يصبح عدم ردك هو الشيء الذي يحتاج إلى تفسير. في السابق كان وصولك إلى المكتب صباحًا كافيًا، ثم أصبح مطلوبًا أن تكون Available. وكلمة Available في قاموس بعض الستارتابات لا تعني أن تكون متاحًا أثناء العمل، بل أن تكون هناك دائمًا، مثل السيرفر، مع فارق صغير أن السيرفر عند ارتفاع حرارته تظهر رسالة تحذير، أما أنت فيُطلب منك أن تكون أكثر Resilient.

وهنا تبدأ واحدة من أكثر العلاقات غرابة في عالم الشغل. يريد المؤسس منك أن تفكر مثل المؤسس. وهذا منطقي ظاهريًا، لأن الموظف الذي يفهم الصورة الكبرى أفضل من الذي ينتظر التعليمات. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول “عقلية المؤسس” من طريقة في التفكير إلى طريقة في التضحية.

يفترض أن تقلق بشأن المبيعات كما يقلق هو، وأن تفكر في الـcash flow كما يفكر هو، وأن تسهر لإنقاذ المشروع كما يسهر هو، وأن تعتبر خسارة عميل مشكلة شخصية تقريبًا. وإذا احتاج المشروع نهاية الأسبوع، فمن المفترض أن تفهم أن الستارتاب لا تعرف السبت والأحد.

لكن عند الحديث عن الشركة نفسها، تعود الحدود فجأة.

  • الأسهم له.
  • القرار النهائي له.
  • قيمة الشركة إذا تضاعفت له وللمساهمين.

أما أنت، فلك “تجربة استثنائية” يمكنك أن تضيفها إلى LinkedIn.

وهذه ربما أكبر خدعة فكرية في ثقافة الستارتاب: أن نطلب من الموظف أن يحمل الجانب السيئ من تجربة المؤسس دون أن يحصل بالضرورة على الجانب الجيد منها.

المؤسس يعمل إلى الثالثة صباحًا؟ طبيعي، تلك شركته. إذا نجحت قد تتغير حياته بالكامل. الموظف يعمل إلى الثالثة صباحًا؟ إذا نجحت الشركة ربما يحصل في نهاية السنة على زيادة عشرة في المائة ورسالة شكر في مجموعة WhatsApp.

ومع ذلك نضع الاثنين في الخطاب نفسه ونقول: “كلنا في نفس المركب”.

لا، لسنا دائمًا في المركب نفسه. قد نكون فعلًا في البحر نفسه، لكن بعضنا يملك المركب، وبعضنا يحصل على راتب ليجدف.

والواقع المغربي يجعل هذه المعادلة أكثر قسوة. لأن الحديث العالمي عن العمل في الستارتابات يفترض غالبًا وجود مقابل للمخاطرة: stock options، رواتب تنافسية، سوق عمل يسمح لك بالمغادرة، وشبكة من الشركات التي تتنافس على الكفاءات. أما عندنا، فقد نأخذ من النموذج فقط الجزء الذي يقول إن عليك أن تضحي، ثم نترك الصفحة التي تتحدث عما تحصل عليه مقابل التضحية.

وهنا تدخل جملة أحبها كثير من أصحاب المشاريع: “خاصنا شي واحد غادي يأمن بالمشروع”.

في بداياتي كنت أسمعها بشكل مختلف. كنت أفهم منها أن الشركة تبحث عن شخص لا يعمل فقط من أجل الراتب، وأنا أصلًا أحب هذا النوع من الناس. اليوم أصبحت أسمع داخلها سؤالًا آخر: لماذا يحتاج إيماني بالمشروع إلى أن يظهر دائمًا على شكل تنازل من جهتي؟

إذا آمنت بالمشروع وعملت أكثر، فهذا جميل. لكن إذا كان إيماني مطلوبًا كجزء من التعويض، فأعطني Equity. اجعلني أؤمن بالأرقام الموجودة في الـcap table أيضًا.

أما أن يكون لك رأس المال والملكية والقرار، ولي أنا الإيمان والصبر والـextra mile، فهذه ليست شراكة. هذا توزيع ذكي جدًا للأدوار.

ثم تأتي “العائلة”.

كلما سمعت شركة تقول عن نفسها “نحن عائلة”، أشعر أن شخصًا ما سيطلب مني قريبًا شيئًا لا يوجد في عقد العمل.

الشركة يمكن أن تكون مكانًا إنسانيًا جدًا، ويمكن أن تجد داخلها أشخاصًا يصبحون أصدقاء حقيقيين وربما أقرب من بعض أفراد عائلتك، لكن المؤسسة ليست عائلة. هذه ليست إهانة لها، بل حماية للطرفين. الشركة تستطيع أن تستغني عنك عندما تتغير الأرقام، وأنت تستطيع أن تغادر عندما لا تعود الصفقة مناسبة لك. هذه علاقة مهنية محترمة، ولا تحتاج إلى استعارة عائلية حتى تصبح نبيلة.

المشكلة أن كلمة “عائلة” تصبح مفيدة جدًا عندما يحين وقت الحدود. أنت لا تقول للعائلة إن هذا ليس ضمن Job Description. لا تغلق الهاتف على العائلة عند السادسة. لا تطلب من العائلة زيادة لأن مسؤولياتك تضاعفت. وهكذا يتحول شيء يفترض أنه إيجابي إلى أداة تجعل المطالبة بأبسط الحقوق تبدو كأنها نقص في الوفاء.

لكن أكثر شيء سوداوية رأيته في هذا العالم هو أن الموظف الجيد قد يصبح ضحية نجاحه.

في الشركة غير المنظمة، كل شخص يستطيع حل مشكلة يحصل كمكافأة على مشاكل إضافية. أنت جيد في المحتوى؟ خذ السوشيال ميديا. أثبت أنك جيد في السوشيال؟ جرّب الإعلانات أيضًا. تعرف إدارة الناس؟ ممتاز، سنضع الفريق معك. لديك عقلية Business؟ شارك معنا في الاستراتيجية. وفي كل مرة تقول لنفسك إن هذا تطور في مسارك، وهو كذلك أحيانًا، إلى أن تكتشف بعد مدة أنك أصبحت قسمًا كاملًا يمشي على قدمين.

الطريف أن الشركة في تلك اللحظة تكون سعيدة جدًا بك. يقولون عنك Key Person، Pillar، أو حتى Rock Star إذا كانت الإنجليزية قوية ذلك الأسبوع. لكن معظم هذه الألقاب لا تملك خانة في التحويل البنكي.

والأغرب أن قدرتك على تحمل الضغط تصبح معيارًا لقدرتك المهنية. بدل أن نسأل لماذا يحتاج العمل أصلًا إلى هذا القدر من الضغط بشكل دائم، نبدأ في تصنيف الأشخاص: هذا يتحمل، وهذا لا يتحمل. هذا Startup Mindset، وهذا Corporate. هذا Hungry، وهذا يبحث عن Comfort Zone.

وهكذا يمكن أن نأخذ مشكلة في تصميم المؤسسة ونحولها إلى عيب في شخصية الموظف.

إذا احتاجت الشركة باستمرار إلى عشر ساعات من العمل لإنجاز ما يفترض أن ينجز في ثمانٍ، فربما لا تحتاج إلى Motivation أكبر. ربما تحتاج إلى موظف إضافي.

لكن الموظف الإضافي يكلف المال، أما Motivation فهناك فيديوهات كثيرة عنه على YouTube مجانًا.

عندما يتعب الشخص أخيرًا، تبدأ المرحلة الأكثر سخرية. الشخص نفسه الذي كان قبل أشهر “لا يمكن الاستغناء عنه” يبدأ فجأة في سماع أنه تغير. لم يعد يبادر كما في السابق. طاقته انخفضت. أصبح يحسب ساعات العمل. وربما “فقد الشغف”.

نادراً ما نسأل السؤال الأبسط: ماذا فعلنا بهذا الشغف؟

الشغف ليس بئرًا لا ينضب. يمكنك أن تأخذ منه كثيرًا، لكن إذا بنيت شركتك على فكرة أن هناك دائمًا شخصًا متحمسًا مستعدًا لتعويض نقص الموارد من حياته الشخصية، فأنت لم تبنِ Culture قوية. أنت فقط وجدت مصدر طاقة رخيصًا.

ولهذا أصبحت أنظر إلى الـBurnout بطريقة مختلفة. أحيانًا لا يكون حادثًا وقع داخل الشركة، بل يكون جزءًا من طريقة عملها. عندما تنجح المؤسسة فقط لأن عشرة أشخاص يؤدون عمل خمسة عشر، فالساعات الخمسون الناقصة لا تختفي. شخص ما يدفع ثمنها من نومه، أو أعصابه، أو علاقاته، أو الوقت الذي كان من المفترض أن يكون له.

نحب الحديث عن Runway الشركات: لدينا مال يكفينا اثني عشر شهرًا أو ثمانية عشر شهرًا. لكنني أتساءل أحيانًا عن Runway الأشخاص. كم شهرًا يستطيع إنسان أن يعيش بهذا الإيقاع قبل أن يبدأ شيء داخله في الانطفاء؟

  • لا يظهر ذلك في Dashboard.
  • لا يدخل في الـCAC ولا الـLTV.
  • لا يظهر في تقرير المستثمرين.

لكنه دين، وسيأتي يوم يسدده أحد.

ومع ذلك، لا أكره الستارتابات. ربما العكس. جزء كبير مما تعلمته في حياتي المهنية تعلمته داخل مشاريع كان كل شيء فيها يتحرك بسرعة، وكانت حدود المناصب فيها ضعيفة. أعرف جيدًا متعة أن تبني شيئًا من الصفر، وأن ترى فريقًا صغيرًا يتحول إلى مؤسسة، وأن تنظر إلى شيء كان قبل أشهر مجرد فكرة ثم تراه أمامك يعمل.

لكن لهذا السبب بالضبط أرفض تحويل أجمل شيء في هذا العالم، وهو الشغف بالبناء، إلى وسيلة للحصول على عمل رخيص.

الستارتاب التي لا تملك المال ليست شركة شريرة. يمكن أن تقول بوضوح: هذا ما نملكه، وهذا ما نطلبه، وهذا ما نستطيع أن نعطيه مقابل المخاطرة. قد يوافق الشخص وقد يرفض، لكن الصفقة واضحة.

أما أن نريد Senior بخبرة عشر سنوات، يستطيع القيام بأربع وظائف، Available دائمًا، يتصرف كالمؤسس، يتحمل ضغط المؤسس، ثم نقدم له راتب Junior ونقنعه أن الفرق سيعوضه “التعلم”… فهنا لسنا أمام Startup Culture.

نحن فقط أمام نسخة حديثة جدًا من علاقة قديمة: طرف يملك الأصل، وطرف يبيع وقته، ثم يُطلب من الطرف الثاني أن يشعر بالامتنان لأنه سُمح له بأن يبيع أكثر مما اتفق عليه.

يمكن أن أصف كل ما سبق بالعبودية، رغم أني أعلم بأن الأمر سيزعج البعض، وهي كلمة لا ينبغي مساواتها بالعبودية التاريخية أو القانونية الحقيقية. لكن الاستفزاز هنا مقصود، لأن هناك شيئًا يستحق أن يزعجنا: أن يصبح طبيعيًا أن يحمل الإنسان الشركة معه إلى البيت، وإلى سريره، وإلى عطلته، وأن يصبح هاتفه بابًا يستطيع العمل الدخول منه في أي لحظة، ثم نسمي ذلك طموحًا.

في زمن السلاسل، كنت ترى القيد.

اليوم يمكن أن يأتي القيد على شكل MacBook جميل، حساب Slack، هاتف لا يتوقف عن الاهتزاز، وعبارة محفزة مكتوبة على جدار المكتب تقول:

Work hard. Dream big.

والشركة فعلًا تحلم Big.

المهم فقط أن تسأل قبل أن تحرق سنواتك من أجل هذا الحلم:

إذا تحقق… شنو غادي نربح أنا؟