تخيل أن هاتفك يرن في ساعة متأخرة من الليل.
تنظر إلى الشاشة، فتجد والدتك التي توفيت قبل سنوات أمامك. نفس الوجه، الابتسامة نفسها، ونفس الصوت، والطريقة نفسها التي كانت تنطق بها اسمك. تسألك عن أحوالك، وتذكّرك بتفاصيل وذكريات من طفولتك لا يعرفها إلا أفراد عائلتك المقربين، ثم تطلب منك أن تثق في الشخص الذي أعادها إليك من الموت إلى الحياة الافتراضية.
أنت تعرف أنها ماتت. عقلك يعرف ذلك جيداً.
لكن عينيك تريانها، وأذناك تسمعانها، وقلبك يريد أن يصدقها.
قبل سنوات قليلة، كان هذا المشهد يصلح لفيلم رعب رديء. اليوم، توجد تقنيات تسمى Deadbots أو Griefbots، تُدرّب على صور ورسائل وأصوات أشخاص متوفين لكي تحاكيهم وتتحدث باسمهم. وقد ناقشت أبحاث أكاديمية حديثة المخاطر الأخلاقية والنفسية لهذه «النسخ الرقمية»، بينما وُثّقت حالات استُعمل فيها الذكاء الاصطناعي لبناء روبوتات محادثة تحاكي أشخاصاً ماتوا.
وهنا تذكرت رواية وردت في التراث الإسلامي عن فتنة المسيح الدجال، تقول إنه سيعرض على رجل صورة والديه المتوفَّيين، فيأمرانه باتباعه وتصديقه.
لن أقفز من هذا التشابه لأقول إن النبوءة كانت تتحدث عن ChatGPT، أو إن مركز بيانات في كاليفورنيا يخفي المسيح الدجال بين خوادمه. هذا ادعاء لا أملك عليه دليلاً، وليس من حقنا أن نحول التأمل إلى عقيدة.
لكن السؤال لم يعد سخيفاً كما كان يبدو قبل سنوات:
هل يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي هو المسيح الدجال؟ أو على الأقل، هل يمكن أن يصبح الأداة التي تجعل فتنته ممكنة على نطاق لم يعرفه البشر من قبل؟
عندما يصبح الكذب أكثر إقناعاً من الحقيقة
كلمة «الدجال» مرتبطة بالخداع والتمويه وخلط الحقيقة بالباطل. وفي الروايات الإسلامية، لا يأتي الدجال إلى الناس معلناً أنه الشر. يأتيهم بما يبدو خلاصاً، ويمتلك ما يجعل الكذبة مقنعة أمام أعينهم.
تصف بعض الأحاديث ما يكون معه بأنه يشبه الجنة والنار، لكن ما يسميه جنة يكون في حقيقته ناراً، وما يقدمه على أنه نار يكون نجاة. كما تذكر الروايات أنه أعور، وأن فتنته ستكون من أعظم الفتن التي تواجه البشر.
لن أقول إن «العين الواحدة» ترمز إلى الكاميرا أو شاشة الحاسوب؛ فلا دليل على ذلك. لكن الصورة تفتح أمامي سؤالاً آخر: أليس الذكاء الاصطناعي بدوره يرى العالم بعين واحدة؟
إنه يقرأ الكلمات والصور والأرقام، لكنه لا يعيش ما وراءها. يستطيع تحليل آلاف الكتب عن الحزن من دون أن يحزن، وملايين النصوص عن الحب من دون أن يحب، وآلاف الأحكام الأخلاقية من دون أن يملك ضميراً يتحمل مسؤوليتها.
إنه يرى البيانات، لكنه لا يرى الإنسان دائماً.
ومع ذلك، بدأنا نسأله عن كل شيء: ماذا نكتب؟ ماذا نشتري؟ من نوظف؟ من نطرد؟ كيف نربي أبناءنا؟ ماذا نفعل في علاقاتنا؟ وأحياناً حتى: ما الحكم الديني في هذه المسألة؟
المشكلة ليست أن الآلة تدّعي الألوهية.
المشكلة أننا نرفعها بأنفسنا إلى مقام لا ينبغي أن تصل إليه.
ربما يحتاج الدجال إلى الآلة فقط!!
في غشت 2025، نشر الكاتب João Silva Jordão مقالاً بعنوان صريح: The Dajjal Will Need Artificial Intelligence.
لم يقل إن الذكاء الاصطناعي هو الدجال، بل افترض أنه قد يمنح شخصاً أو مجموعة صغيرة قدرة غير مسبوقة على صناعة «المعجزات الكاذبة». تحدث عن استنساخ أصوات الموتى وصورهم، والمراقبة الشاملة، وتحليل سلوك المجتمعات، وإمكانية استخدام التقنية لإنتاج أحداث تبدو أمام العامة كأنها قدرات خارقة.
وقد وصف الكاتب مقاله بنفسه بأنه دراسة تخمينية هدفها إثارة التفكير، لا إثبات كيفية تحقق النبوءة.
وهنا يتغير السؤال.
ماذا يمكن أن يفعل شخص يملك أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وقواعد بيانات مليارات البشر، وكاميرات المدن، والبنية المالية الرقمية، والأسلحة والطائرات المسيّرة ومنصات التواصل؟
الدجال، إن كان شخصاً كما تصفه القراءات الدينية الشائعة، لن يحتاج إلى أن يكون مصنوعاً من السيليكون. يكفي أن يملك الآلة.
وتظهر مخاوف مشابهة، بصيغ مختلفة، في التراثين المسيحي واليهودي. فسفر الرؤيا المسيحي يتحدث عن صورة تتكلم ونظام يرتبط بالقدرة على منع الناس من البيع والشراء، بينما تظهر في بعض النصوص اليهودية الأخروية المتأخرة شخصية «أرملوس»، وهي ملك طاغية أو مسيح مضاد يقاوم الخلاص. لكن أياً من هذه النصوص لا يقول إن الذكاء الاصطناعي هو تلك الشخصية.
الخيط المشترك ليس الحاسوب، بل الخداع، وادعاء الخلاص، وتركيز السلطة، وتحويل الإنسان من صاحب قرار إلى تابع يسلّم إرادته لقوة يعتقد أنها تعرف أكثر منه.
ومن هنا نصل إلى الجزء الأكثر إثارة للقلق.
حين بدأت شركات التقنية تتحدث بلغة الأنبياء
الغريب أن اللغة الدينية لم يُدخلها رجال الدين إلى عالم الذكاء الاصطناعي. جزء كبير منها خرج من وادي السيليكون نفسه.
رصد الباحث Robert Geraci منذ سنوات كيف استعارت كتابات الذكاء الاصطناعي والروبوتات لغة الخلاص والخلود ونهاية العالم. يتحدث بعض أنصار التقنية عن الهروب من الجسد، ونقل الوعي إلى الآلة، وهزيمة الموت، وبناء عالم جديد تعيش فيه العقول بصورة رقمية.
وفي تقرير لوكالة Associated Press عن اختلاط خطاب التقنية بالدين، ظهر كيف يستعمل بعض أبرز شخصيات القطاع كلمات كانت في السابق محفوظة للمقدس: ذكاء شبيه بالإله، عقل في السماء، خلاص من الأمراض، خلود رقمي، أو كارثة تهدد البشرية.
وفي الجهة الأخرى، يتحدث رجال أعمال مثل Peter Thiel صراحة عن المسيح الدجال ودور التقنية والذكاء الاصطناعي في تشكيل العالم الذي قد يسمح بظهوره.
حين تعدك شركة بأنها ستعرفك أكثر مما تعرف نفسك، وستحل أمراضك ووحدتك وفقرك، وستمنحك رفيقاً لا يتركك، وذاكرة لا تنسى، وربما نسخة رقمية لا تموت، فنحن لم نعد أمام إعلان لبرنامج فقط. نحن أمام خطاب خلاص.
ليس لأن الآلة أصبحت إلهاً، بل لأن الإنسان يبدو مستعداً لصناعة إله على مقاس اشتراك شهري.
بعيداً عن النبوءات، ماذا تقول الأدلة؟
حتى إذا تركنا الدين جانباً، فإن المخاطر الموثقة ليست بسيطة.
يشير التقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي 2026، الذي أعده أكثر من مئة خبير بدعم دول ومنظمات دولية، إلى أن الاستخدام الواقعي للذكاء الاصطناعي في التأثير والتلاعب موثق، وإن لم يكن واسع الانتشار حتى الآن.
كما يناقش التقرير أخطار التضليل، والتعلق النفسي بالرفقاء الاصطناعيين، وتآكل استقلالية الإنسان، واحتمالات فقدان السيطرة مستقبلاً.
لكن التقرير يقول أيضاً ما يجب ألا نخفيه من أجل إثارة الرعب: الأنظمة الحالية لا تملك القدرات اللازمة لسيناريو فقدان السيطرة الكامل، والخبراء مختلفون بشدة حول احتمال حدوثه مستقبلاً.
إذن نحن لا نملك دليلاً على وجود عقل إلكتروني سري يخطط للسيطرة على البشرية.
ما نملكه الآن أكثر بساطة، وربما أكثر خطورة: بشر وشركات وحكومات يملكون أدوات تستطيع معرفة الناس، والتأثير فيهم، ومراقبتهم، وإنتاج حقيقة مصنعة لهم على نطاق واسع.
ربما الخطر ليس أن يستيقظ الذكاء الاصطناعي ويقرر استعبادنا. ربما الخطر أن يبقى كما هو، ثم يستعمله إنسان يعرف جيداً كيف يستعبد الآخرين.
هل الذكاء الاصطناعي هو المسيح الدجال؟
الجواب الصادق هو: لا أعرف، ولا أملك دليلاً يسمح لي أن أقول نعم.
بل إن ظاهر النصوص الدينية التي راجعتها يقدم الدجال أو المسيح المضاد كشخصية ذات إرادة وفعل، لا كأداة رياضية تحسب الكلمة التالية في جملة.
لكنني أعرف شيئاً آخر.
نحن نبني لأول مرة في التاريخ آلة تستطيع أن تتحدث مع كل إنسان بلغته، وتتعلم نقاط ضعفه، وتعيد تشكيل صورة الواقع أمامه، وتقلد أحبته، وتكتب له ما يريد سماعه، وترافقه في جيبه طوال اليوم.
ثم نربطها، شيئاً فشيئاً، بالعمل والتعليم والإعلام والمال والأمن واتخاذ القرار.
وبعد ذلك نضحك عندما يسأل شخص إن كان لهذا كله علاقة بفتنة كبرى تقوم أساساً على الخداع وقلب الحقيقة وتركيز السلطة.
قد لا يكون الذكاء الاصطناعي هو المسيح الدجال.
لكنه يستطيع أن يبني له الصوت، ويمنحه ألف وجه، ويضعه داخل كل شاشة، ويجعل كذبته تصل إلى كل إنسان بالصيغة التي تناسب خوفه ورغبته.
وحين يأتي الخداع الكبير، قد لا تكون المشكلة أننا لم نره.
قد تكون المشكلة أننا اعتدنا عليه إلى درجة أننا لم نعد نعرف الفرق بينه وبين الحقيقة.