أتساءل أحيانًا: متى بالضبط استيقظنا لنجد أن نصف الناس الذين نعرفهم أصبحوا خبراء؟ تفتح لينكدإن فتجد خبيرًا في القيادة، ومستشارًا في بناء الشركات، ومتخصصًا في التسويق والنمو والذكاء الاصطناعي، وأحيانًا تجد هذه الألقاب كلها مجتمعة عند الشخص نفسه. تنتقل إلى إنستغرام فتظهر لك عشرات الحسابات التي تعلمك كيف تصبح غنيًا، وكيف تدير فريقك، وكيف تبني شركتك، وكيف تحقق الحرية المالية، بينما صاحب الحساب نفسه لم يمض على تخرجه سوى عامين، ولم يسبق له أن أدار فريقًا أو بنى شركة أو تحمل مسؤولية قرار مهني حقيقي.
والمشكلة أنني أعرف بعض هؤلاء معرفة شخصية. أعرف أين كانوا يعملون، وما المهام التي كانوا يقومون بها، وأعرف أن المسافة بين صورتهم على السوشيال ميديا وحقيقتهم المهنية ليست مجرد فرق بسيط في طريقة التقديم، بل وادٍ كامل. شخص لم يسبق له أن أدار أكثر من نفسه، لكنه يحدث الناس كل صباح عن القيادة وبناء الفرق. وآخر لم يسبق له أن أطلق مشروعًا ناجحًا، لكنه يبيع لرواد الأعمال أسرار النجاح التي «لا تخبرك بها الجامعات». وثالث دخل مجال التسويق منذ أشهر، ثم استيقظ ذات يوم وأضاف كلمة Expert إلى اسمه، وكأن الخبرة تحديث جديد في الملف الشخصي يحتاج فقط إلى الضغط على زر الحفظ.
هذا لا يعني أن الإنسان يحتاج إلى عشرين سنة قبل أن يحق له الكلام، ولا أن الشباب لا يمكن أن يملكوا معرفة حقيقية. هناك أشخاص في الخامسة والعشرين يفهمون في مجالاتهم أكثر من آخرين قضوا عشرين سنة وهم يكررون التجربة نفسها. كما أن مشاركة المعرفة وبناء العلامة الشخصية وبيع الدورات أو الاستشارات ليست جرائم. المشكلة تبدأ عندما تصبح الصورة التي يبيعها الشخص عن نفسه أكبر بكثير من التجربة التي يستطيع إثباتها، وعندما يتحول التسويق للخبرة إلى بديل عن اكتسابها.
قديمًا، كان لقب الخبير يأتي في نهاية الرحلة. تعمل سنوات، وتتعلم، وتخطئ، وتتحمل نتائج أخطائك، وتدخل إلى مواقف لا تنفع معها الاقتباسات التحفيزية ولا النظريات الجاهزة. تفشل أحيانًا، وتنجح أحيانًا أخرى، ثم تبدأ في فهم أن كل إجابة تحمل داخلها استثناءات كثيرة، وأن ما نجح في شركة قد يفشل تمامًا في شركة أخرى. وبعد سنوات من هذا المسار، قد يبدأ الناس في التعامل معك على أنك خبير، دون أن تضطر أنت إلى إعلان ذلك في كل مكان.
كان الآخرون يمنحونك اللقب لأنهم رأوا أثر تجربتك، أما اليوم فقد أصبح الإنسان يمنح اللقب لنفسه، ثم يطلب من السوق أن يتعامل معه بناء عليه. كل ما تحتاج إليه دورة بثمن 99 دولارًا، وصورة شخصية ببدلة جيدة، ووصف غامض في الحساب يتضمن كلمات من قبيل Strategy وGrowth وLeadership، وبعدها يمكنك أن تبدأ في نشر الحكم على الناس وكأنك عدت لتوك من إدارة إمبراطورية اقتصادية.
حتى المحتوى لم يعد مشكلة. تستطيع متابعة خبير أجنبي، ونسخ أفكاره، وترجمتها إلى العربية، ثم نشرها باعتبارها خلاصة سنوات من التجربة. وإن أردت أن يبدو الكلام أكثر عمقًا، أضف بعض العبارات التي تصلح لكل شيء ولا تشرح أي شيء: «لا تتبع الطريق، بل اصنع طريقك»، أو «الابتكار ليس أن تخترع الجديد، بل أن ترى القديم بعين مختلفة». تبدو هذه العبارات جميلة للوهلة الأولى، لكنها تشبه تلك الحكم التي نجدها داخل بسكويت الحظ؛ يمكن استخدامها في إدارة الشركات، والعلاقات العاطفية، والرياضة، وحتى في الحديث عن طهي الحريرة.
السوشيال ميديا لم تصنع الخبراء الوهميين، لكنها منحتهم المسرح
لست ممن يعتقدون أن السوشيال ميديا شر مطلق. بالعكس، هذه المنصات كسرت احتكار المؤسسات التقليدية للكلام، ومنحت الفرصة لأشخاص موهوبين لم تكن الصحف أو الجامعات أو القنوات التلفزيونية ستفتح لهم أبوابها. كثير من الخبرات الحقيقية وصلت إلينا لأن أصحابها استطاعوا أخيرًا تجاوز الحراس التقليديين والتحدث مباشرة إلى الناس.
لكن المنصات منحت الفرصة نفسها أيضًا لمن لا يملك شيئًا سوى الثقة الزائدة والقدرة على الظهور. وهنا حدث الخلط، لأن خوارزميات السوشيال ميديا لا تعرف من الخبير الحقيقي ومن المزيف، ولا تستطيع قياس عمق التجربة أو دقة المعرفة. هي تقيس التفاعل، والمدة التي قضاها الناس في المشاهدة، وعدد المشاركات والتعليقات. لهذا لا تكافئ دائمًا الشخص الذي يعرف أكثر، بل الشخص الذي يستطيع أن يقول كلامه بطريقة أكثر إثارة وثقة.
الخبير الحقيقي قد تسأله عن حل مشكلة معينة، فيقول لك إن الأمر يعتمد على السوق والميزانية والمنتج والفريق والتوقيت. سيطلب منك المعطيات قبل أن يعطيك الجواب، وقد يعترف بأنه لا يعرف أو أن تجربته لا تكفي للحكم. أما الخبير الوهمي، فلا يحتاج إلى أي معطيات. لديه جواب واحد يصلح للجميع، واستراتيجية واحدة ستضاعف مبيعاتك، وخمس خطوات ستغير حياتك، وسر واحد لم يخبرك به الآخرون.
أمام الكاميرا، يبدو الثاني أكثر إقناعًا. ليس لأنه يعرف أكثر، بل لأنه يشك أقل. وهذا هو أحد أكبر تناقضات سوق الخبرة اليوم: كلما كان الشخص أكثر وعيًا بتعقيد الواقع، أصبح كلامه أقل حسمًا، وكلما كان أقل خبرة، أصبح أكثر استعدادًا لتقديم رأيه باعتباره قانونًا كونيًا لا يقبل النقاش.
وصفة صناعة الخبير السريع
صناعة الخبير الوهمي لا تحتاج في الحقيقة إلى مجهود كبير، بل إلى فهم جيد لما يريد الجمهور سماعه. تبدأ باختيار لقب ضخم يصعب قياسه والتحقق منه. لا تقل إنك موظف تسويق أو مسير حملات إعلانية؛ قل إنك Growth Strategist. لا تقل إنك تقدم نصائح لأصحاب المشاريع؛ قل إنك Business Mentor. وكلما كان اللقب غامضًا، كان أفضل، لأن الغموض يسمح للناس بأن يتخيلوا داخله ما يريدون.
بعد اللقب تأتي قصة النجاح. يجب أن تكون القصة ملهمة بما يكفي لجذب الناس، ومبهمة بما يكفي حتى لا يتمكن أحد من فحصها. «كنت موظفًا عاديًا، ثم اكتشفت طريقة غيرت حياتي، واليوم أحقق دخلًا من سبعة أرقام». لا يهم ما هي العملة، ولا طبيعة المشروع، ولا حجم المصاريف، ولا عدد السنوات التي احتاجها للوصول إلى النتيجة، ولا حتى إن كانت النتيجة حقيقية أصلًا. التفاصيل هنا خطيرة، لأنها تحول القصة من أسطورة إلى شيء قابل للتحقق.
ثم تأتي الأرقام. الأرقام تمنح الكلام مظهرًا علميًا حتى عندما تكون معلقة في الهواء. يقول لك إن 93 في المائة من الشركات الناجحة تستخدم استراتيجية معينة، أو إن طريقته ترفع المبيعات بنسبة 300 في المائة، دون أن يذكر مصدر الدراسة أو حجم العينة أو السوق الذي أجريت فيه. وقد تسأله عن المصدر، فيعتبر سؤالك نوعًا من السلبية أو مقاومة النجاح، بدل أن يعطيك رابطًا بسيطًا.
وعندنا في العالم العربي توجد حيلة أخرى فعالة جدًا: استعمال أكبر عدد ممكن من المصطلحات الإنجليزية داخل الجملة. ليس لأن بعض المصطلحات لا تملك ترجمة دقيقة، فهذا مفهوم، ولكن لأن الغموض نفسه أصبح جزءًا من العرض. حين يقول لك شخص: «خاصنا نخدمو على الـGrowth Hacking ونحسنو الـCustomer Journey عبر Omnichannel Strategy باش نرفعو الـConversion»، قد تفترض أنه يقول شيئًا عميقًا لأنك لم تفهمه جيدًا. والحقيقة أن الخبير الحقيقي يستطيع غالبًا أن يشرح لك أكثر الأفكار تعقيدًا بلغة بسيطة، بينما يحتاج الخبير الوهمي إلى تعقيد أبسط الأفكار حتى يحافظ على المسافة بينه وبين الجمهور.
ولا تكتمل الوصفة دون ارتباط بأسماء كبيرة. قد يحضر الشخص مؤتمرًا تحدث فيه خبير عالمي، ثم يتحول الأمر بعد أشهر إلى عبارة «تدربت على يد فلان». وقد ينفذ مهمة صغيرة لصالح شركة معروفة، ثم يقدم نفسه باعتباره الشخص الذي ساهم في بناء استراتيجيتها. التفاصيل تختفي، ويبقى الاسم الكبير معلقًا بجانب اسمه، يؤدي وظيفة ختم الجودة الذي لم تمنحه له التجربة.
لماذا نريد أن نصدقهم؟
وجود من يدعي الخبرة ليس أمرًا جديدًا، لكن السؤال الأهم هو: لماذا يجد هذا النوع من الخطاب جمهورًا واسعًا في كل مرة؟ الجواب في نظري ليس أن الناس أغبياء، بل لأن الناس متعبة. عندما يعيش الإنسان وسط واقع مهني واقتصادي معقد، ويجد أمامه طريقًا يحتاج إلى سنوات من التعلم والعمل والفشل، يصبح مستعدًا للاستماع إلى أي شخص يعده بطريق أقصر.
الخبير الوهمي لا يبيع المعرفة فقط، بل يبيع فكرة أنك لن تضطر إلى دفع ثمن التجربة. يخبرك بأنك تستطيع تجاوز السنوات الصعبة إذا اشتريت طريقته، وأن المشكلة لم تكن يومًا في تعقيد السوق أو ضعف الإمكانيات أو المنافسة، بل فقط في أنك لم تعرف «السر». وهذا الوعد مريح، لأنه يمنحنا تفسيرًا بسيطًا لعالم معقد، ويعفينا من الاعتراف بأن بعض الأشياء تحتاج فعلًا إلى الوقت والصبر والاحتكاك بالواقع.
نحن أيضًا نخلط أحيانًا بين الثقة والكفاءة. الشخص الذي يتحدث بصوت مرتفع، ولا يتردد، ويملك جوابًا عن كل شيء، يبدو لنا أكثر معرفة من شخص يتوقف ويفكر ويقول: «لا أملك ما يكفي من المعطيات». مع أن التجربة علمتني أن أكثر الناس خبرة هم غالبًا الأكثر حرصًا في أحكامهم، لأنهم شاهدوا بأعينهم كيف يمكن لتفصيل صغير أن يقلب النتيجة كلها.
ثم إن الخبراء الجدد لا يبيعون معلومة فقط، بل يبيعون هوية وانتماء. يشترط عليك المدرب أن تنضم إلى مجتمعه، ويمنح أتباعه اسمًا خاصًا، ويقنعهم بأنهم أصبحوا جزءًا من الأقلية التي فهمت اللعبة، بينما ما يزال الآخرون نائمين. وبعد مدة، لا يعود نقد الخبير مجرد نقد لشخص، بل يصبح تهديدًا لهوية الجماعة كلها، ولهذا ترى أحيانًا أشخاصًا يدافعون عن مدرب أو مستشار لم يلتقوه في حياتهم كما لو كانوا يدافعون عن فرد من العائلة.
الثمن الذي لا يظهر في الإعلان
قد يبدو الأمر مضحكًا: شخص يضخم سيرته الذاتية، وينشر محتوى منسوخًا، ثم يبيع دورة لمن يريد شراءها. يمكن أن نقول إن السوق حر، وإن كل شخص مسؤول عن اختياراته، ثم ننهي النقاش. لكن التكلفة الحقيقية لهذه الظاهرة لا تقف عند ثمن دورة رديئة.
عندما يدعي الجميع الخبرة، تصبح الخبرة نفسها عملة متضخمة. يصعب على الشركات والأفراد التمييز بين شخص قضى سنوات يبني معرفته، وآخر قضى أسابيع يبني صورته. وقد تتعاقد شركة مع مستشار لأنه يتقن الظهور على لينكدإن، ثم تكتشف بعد أشهر أنها دفعت ثمن عرض جميل وكلمات كبيرة لا تملك أي علاقة بالواقع.
الضرر الأكبر في نظري هو الرسالة التي يتلقاها الشباب وهم يشاهدون هذه النماذج تنجح. بدل أن يتعلم الإنسان أن عليه بناء معرفة أو مهارة أو تجربة، يبدأ في الاعتقاد بأن الأهم هو أن يتعلم كيف يبدو ناجحًا. يهتم باللقب قبل أن يهتم بالعمل، وبالهوية البصرية قبل أن يملك شيئًا يقوله، وبعدد المتابعين قبل أن يسأل نفسه إن كان ما يقدمه يستحق المتابعة.
هكذا نقلب الترتيب الطبيعي للأشياء. بدل أن تأتي الصورة نتيجة للقيمة، تصبح الصورة محاولة لتعويض غيابها. وبدل أن تكون العلامة الشخصية مرآة لمسار حقيقي، تصبح ديكورًا نخفي خلفه فراغ التجربة.
المشكلة أيضًا أن ضحايا هذه السوق لا يفقدون المال فقط. بعد أن يشتري الإنسان دورات كثيرة، ويطبق وعودًا لا تعمل، ويكتشف أن النتائج التي عرضت عليه كانت مبالغًا فيها، قد يفقد ثقته في كل أشكال التعلم والاستشارة. وهنا ينجح الخبير الوهمي في الإضرار حتى بالخبراء الحقيقيين، لأن الناس تصبح أكثر شكًا في الجميع.
كيف تعرف أن أمامك شخصًا يفهم فعلًا؟
لا توجد وصفة مضمونة، فالإنسان قد يملك تجربة حقيقية ويكون سيئًا في تقديمها، وقد يكون متحدثًا بارعًا ويملك معرفة محدودة. لكن هناك أسئلة بسيطة تساعد على رؤية الصورة بشكل أوضح.
أول سؤال هو: ماذا أنجز هذا الشخص فعلًا؟ ليس ماذا كتب في وصف حسابه، ولا عدد المتابعين، ولا أسماء الشركات التي يضع شعاراتها على موقعه، بل ما الذي فعله تحديدًا، وما مسؤوليته فيه، وما النتائج التي يستطيع شرحها دون الاختباء خلف العبارات العامة؟
الخبير الحقيقي يستطيع عادة أن يحدثك عن التفاصيل. يخبرك بما جربه، وما الذي لم ينجح، وما الذي كان سيفعله بطريقة مختلفة لو عاد به الزمن. أما من لا يملك تجربة حقيقية، فيبقى في مستوى الشعارات، لأن النزول إلى التفاصيل قد يكشف أن الحكاية أقل بريقًا مما تبدو عليه.
انتبه أيضًا إلى الطريقة التي يتحدث بها عن الفشل. من عمل فعلًا لا بد أن يكون قد أخطأ، واتخذ قرارات سيئة، وفهم أشياء بعد فوات الأوان. المسار الذي لا يحتوي إلا على الانتصارات ليس مسارًا مهنيًا، بل إعلانًا تجاريًا. وكلما حاول شخص إقناعك بأنه كان دائمًا الأذكى في الغرفة، وأن مشاريعه كلها نجحت، وأن كل من عمل معه حقق نتائج استثنائية، فمن حقك أن تتساءل أين أخفى بقية القصة.
راقب كذلك حدود تخصصه. الخبرة الحقيقية تميل إلى أن تكون محددة، حتى عندما يملك صاحبها ثقافة واسعة. أما من يحدثك اليوم باعتباره خبيرًا في التسويق، وغدًا في القيادة، وبعد غد في العلاقات، ثم يقدم رأيه النهائي في الاقتصاد والذكاء الاصطناعي وتربية الأطفال، فهو غالبًا لا يبيع معرفة، بل يبيع حضوره الشخصي.
والأهم من ذلك كله: ماذا يبقى لديك بعد الاستماع إليه؟ هل أصبحت تفهم المشكلة بشكل أعمق، وهل حصلت على فكرة قابلة للتطبيق، أم أنك شعرت بالحماس لدقائق ثم لم تجد شيئًا تستطيع استعماله؟ الخبير الحقيقي لا يجعلك منبهرًا به فقط، بل يساعدك على رؤية الموضوع بشكل أوضح. أما الخبير الوهمي، فيحتاج إلى أن تظل منبهرًا به، لأن لحظة فهمك الحقيقي قد تكون نهاية سلطته عليك.
ليست المشكلة في أن تظهر، بل في ألا يوجد خلف الظهور شيء
أنا من الأشخاص الذين يؤمنون بأهمية بناء العلامة الشخصية. بل أعتقد أن أصحاب الخبرة الذين يرفضون الحديث عن أنفسهم يتركون الساحة فارغة لأشخاص أقل كفاءة لكنهم أكثر جرأة على الكلام. العمل الجيد يحتاج إلى من يرويه، والمعرفة تحتاج إلى صوت يصل بها إلى الناس، ولا توجد فضيلة في أن تكون ممتازًا ومجهولًا إذا كنت تستطيع مشاركة ما تعلمته ومساعدة الآخرين.
لذلك فالمشكلة ليست في المظهر، بل في العلاقة بين المظهر والجوهر. عندما يكون ما تعرضه امتدادًا طبيعيًا لما عشته وأنجزته، يصبح التواصل جزءًا من القيمة. أما عندما تقضي وقتًا أطول في صناعة صورة الخبير من الوقت الذي تقضيه في اكتساب الخبرة نفسها، فهنا تبدأ الخدعة.
الخبرة ليست عدد السنوات وحده، وليست الشهادات، وليست عدد المتابعين، وليست القدرة على استعمال مصطلحات كبيرة. هي أثر الاحتكاك الطويل بالواقع، وتحمل مسؤولية القرارات، والقدرة على التمييز بين ما يبدو صحيحًا في الكتب وما ينجح فعلًا عندما يدخل البشر والميزانيات والضغوط والمصالح إلى المعادلة.
وبينما أكتب هذا المقال، لا يفوتني التناقض الموجود في الأمر كله: هل تحولت أنا بدوري إلى خبير في كشف الخبراء الوهميين؟ وهل يكفي أن أكتب مقالًا طويلًا عن الظاهرة حتى أضع هذا اللقب بجانب اسمي؟
لا أعتقد ذلك. أنا فقط شخص قضى سنوات بين الإعلام والمحتوى وإدارة الفرق والشركات، وشاهد خلال الطريق نماذج كثيرة لأشخاص كانت صورتهم أكبر من تجربتهم، كما شاهد خبراء حقيقيين لم يكونوا يحتاجون إلى تذكير الناس بخبرتهم في كل جملة. وهذه ليست دراسة علمية ولا حكمًا نهائيًا على أحد، بل ملاحظات خرجت بها من الطريق.
ويبقى الحكم في النهاية للقارئ: هل ما قرأته يحمل أثر تجربة حقيقية، أم أنني تعلمت بدوري كيف أبدو خبيرًا وأنا أشرح لك خطر الخبراء الوهميين؟
