في سنة 2019، جلست في مقهى بمدينة الخميسات أمام شخصين كانا يتحدثان عن مشروع جديد سيتيح لأي شخص إنشاء متجر إلكتروني والبدء في البيع عبر الإنترنت.

كان الأول صديقي محمد الغيساني، الذي سبق أن اشتغلت معه في الموقع الإخباري اليوم 24 ومجلة سلطانة، وربطتني به صداقة عميقة قبل أن تجمعنا تجربة مهنية جديدة.

أما الثاني، فكنت ألتقيه للمرة الأولى. كان شخصية معروفة على مواقع التواصل الاجتماعي، اسمه محمد بعبيت، لكن الجميع يعرفه باسم سيمو لايف.

كنت قد قدمت استقالتي من موقع هسبريس بعدما قضيت فيه نحو سنة ونصف مسؤولاً عن فريق الفيديو. كنت أعرف أنني أريد تغيير مساري المهني، لكنني لم أكن أعرف بعد إلى أين أريد الذهاب.

وفي ذلك المقهى، بدأ الغيساني والسيمو يشرحان لي مشروعهما الجديد الذي كان ما يزال في طور التطوير: منصة اسمها YouCan.

تحدثا عن المتاجر الإلكترونية، وصفحات الهبوط، والطلبات، ومعدلات التحويل، والدفع، والشحن، وتجربة المستخدم.

كنت أسمع، وأحاول أن أربط الكلمات ببعضها، لكنني لم أفهم أغلب ما كان يقال.

كنت قادماً من الصحافة والفيديو وصناعة المحتوى. لم أبع منتجاً عبر الإنترنت، ولم أدر متجراً إلكترونياً، ولم أكن أعرف لماذا يضغط شخص على إعلان ثم يشتري، بينما يخرج شخص آخر من الصفحة من دون أن يفعل شيئاً.

ومع ذلك، كان المطلوب مني أن أقود كل ما لا علاقة له بالتطوير البرمجي تقريباً: الدعم، والسوشيال ميديا، والفيديو، والمحتوى، إلى جانب المساهمة في إدارة المنتج.

بعبارة أخرى، كنت مطالباً بإدارة أجزاء كثيرة داخل عالم لا أفقه فيه شيئاً.

لم أكن أعلم يومها أن تلك الجلسة لم تكن مجرد مقابلة عمل، بل كانت بطاقة دخولي إلى واحدة من أهم المراحل التي عرفتها التجارة الإلكترونية في المغرب.

التجارة الإلكترونية كانت موجودة… لكن معظم المغاربة لم يكونوا يرونها

لم تبدأ التجارة الإلكترونية في المغرب مع كورونا.

قبل الجائحة، كانت المتاجر الإلكترونية موجودة، وكانت عمليات البيع والدفع عبر الإنترنت تنمو بالفعل. ففي سنة 2019، سجلت المواقع التجارية والخدماتية المرتبطة بمركز النقديات المغربي 9.8 ملايين عملية دفع إلكتروني، بنمو بلغ 18.2% مقارنة بالسنة السابقة. لكن هذه الأرقام تتعلق بالدفع الإلكتروني بالبطاقات ولا تشمل وحدها كل التجارة التي تعتمد على الدفع عند الاستلام.

كانت السوق تتحرك، لكنها ظلت بالنسبة إلى جزء كبير من المجتمع عالماً بعيداً.

كثير من التجار كانوا يعتقدون أن البيع عبر الإنترنت يحتاج إلى شركة كبيرة، ومطورين، وميزانية ضخمة. وكثير من العملاء كانوا يترددون قبل إدخال بيانات بطاقاتهم البنكية في موقع لا يعرفونه.

أما الشكل الذي بدأ ينتشر بقوة، فكان أبسط: إعلان على فيسبوك أو إنستغرام، وصفحة منتج، ورقم هاتف، ثم الدفع عند وصول الطلب.

كان النموذج مناسباً لواقع السوق المغربي، لكنه خلق سلسلة من المشكلات الخاصة به: طلبات وهمية، وعناوين ناقصة، وعملاء يغيرون رأيهم، وحاجة إلى الاتصال بكل زبون لتأكيد طلبيته، وشركات شحن تختلف خدماتها من مدينة إلى أخرى.

ومن هنا بدأت أفهم لماذا لم تكن YouCan مجرد أداة لإنشاء متجر.

كانت محاولة لبناء منصة تتعامل مع واقع التاجر المغربي والعربي والإفريقي كما هو، لا كما تتخيله منصات صُممت لأسواق اعتاد فيها الناس الدفع بالبطاقة قبل وصول المنتج.

دخلنا سنة 2020 ونحن نستعد لإطلاق منصة… ثم تغيّر العالم

في 14 يناير 2020، أطلقنا YouCan للجميع.

كنا ننتظر دخول المستخدمين وتجربتهم للمنصة، لكننا لم نتوقع الأعداد التي وصلت خلال الساعات الأولى. امتلأ النظام بمستخدمين يريدون إنشاء متاجرهم، وبدأت تظهر مشكلات لم نرها أثناء الاختبارات، واضطر الفريق إلى إيقاف التسجيل مؤقتاً.

ما تزال عبارة محمد الغيساني من تلك الليلة عالقة في ذهني: «من أين أتى كل هؤلاء؟»

كانت لحظة فرح وخوف في الوقت نفسه.

كنا سعداء لأن الناس أرادوا تجربة المشروع، لكن كل مستخدم جديد كان يحمل معه احتمال اكتشاف خطأ آخر. فالمنصة التي تعمل جيداً أمام الفريق ليست بالضرورة مستعدة لآلاف الأشخاص الذين يستعملونها بطرق لم يتوقعها أحد.

كنا نعتقد أن ذلك الإقبال هو الحدث الأكبر الذي سنعيشه خلال السنة. لم نكن نعرف أن العالم كله كان على بعد أسابيع من التوقف.

حين وصلت جائحة كورونا وأُغلقت المحلات وفُرض الحجر الصحي، وجد التجار أنفسهم أمام سؤال لم يعد اختيارياً: كيف نصل إلى العميل إذا لم يعد يستطيع الوصول إلينا؟

ووجد الناس أنفسهم بدورهم مضطرين إلى شراء أشياء عن بعد كانوا يصرون قبل أسابيع على رؤيتها ولمسها قبل دفع ثمنها.

في الأشهر التسعة الأولى من سنة 2020، ارتفع الدفع عبر الإنترنت في المغرب بنسبة 24%، رغم تراجع النشاط الإجمالي للبطاقات بسبب الأزمة. كما سجل مركز النقديات اهتماماً متزايداً من التجار بالبيع عن بعد والدفع الإلكتروني أو الدفع بواسطة أجهزة الأداء عند التسليم.

لكن الأرقام لا تروي ما رأيناه نحن من الداخل.

عندما بدأ الناس يبيعون كل شيء

بدأت تظهر متاجر تبيع أشياء لم نكن نتوقع أن يشتريها المغاربة بهذه الطريقة.

لم يعد الأمر مقتصراً على الملابس والساعات ومواد التجميل. رأينا متاجر تبيع الخضر والفواكه، والأسماك، والمقرمشات، ومواد البقالة، ومنتجات محلية بسيطة لم يكن أصحابها يفكرون قبل كورونا في إنشاء موقع لبيعها.

بعض الشباب فقدوا وظائفهم أو مصادر دخلهم، فبدأوا يبحثون عن منتج يمكنهم بيعه. وتجار كانوا يعتمدون على محلاتهم اكتشفوا فجأة أن وجود صفحة على الإنترنت قد يكون هو الفرق بين استمرار النشاط وتوقفه.

لكن هذا الانتقال لم يكن رومانسياً كما يُروى اليوم.

لم يكن التاجر ينشئ متجره، يشغل إعلاناً، ثم يستيقظ في الصباح ليجد المال يتساقط عليه.

كانت هناك إعلانات تحرق الميزانية ولا تأتي بأي طلب. ومنتجات يعتقد صاحبها أنها ستنجح فلا يشتريها أحد. وعملاء يقدمون طلبات ثم يغلقون هواتفهم. وطرود تصل إلى المدينة ولا تصل إلى أصحابها، وأخرى تعود إلى التاجر بعدما دفع تكلفة شحنها ذهاباً وإياباً.

كنا نرى كل ذلك من خلال فريق الدعم.

وهنا فهمت أن الدعم ليس مجرد قسم يجيب عن الأسئلة. إنه المكان الذي ترى فيه السوق من دون مكياج.

المطور يرى الأزرار والأنظمة. والمسوق يرى الزيارات ومعدلات التحويل. لكن فريق الدعم يسمع صوت التاجر عندما يخسر ماله، وعندما تتوقف طلباته، وعندما لا يفهم ما الذي حدث.

وبحكم إشرافي على الدعم والمحتوى والسوشيال ميديا ومساهمتي في إدارة المنتج، كنت أقف في نقطة تجمع بين كل هذه العوالم.

كان التاجر يشرح مشكلته بلغته، وكان علينا أن نفهمها، ثم نحولها إلى محتوى يشرح الحل، أو إلى ملاحظة تصل إلى فريق المنتج، أو إلى خاصية جديدة يحتاج الفريق التقني إلى تطويرها.

وهكذا لم نكن نطور المنصة فقط؛ كنا نتعلم السوق بالتوازي مع مستخدميها.

التجارة الإلكترونية لم تخلق التجار وحدهم

أحد أكبر الدروس التي خرجت بها من تلك الفترة هو أن التجارة الإلكترونية لا تخلق فرصة عمل واحدة فقط.

خلف كل متجر بدأ يبيع بانتظام، ظهر شخص يتولى تأكيد الطلبات، وآخر يدير الإعلانات، ومصور يصنع صور المنتجات، ومصمم أو مونتير ينتج الفيديوهات، وشركة تتولى التخزين والتغليف، وسائق أو شركة شحن توصل الطرود.

بدأت شركات شحن صغيرة تظهر في مدن مختلفة. وبدأ الشباب يتعلمون الميديا باينغ وكتابة صفحات البيع وخدمة العملاء. وتحولت مكالمة تأكيد الطلب، التي قد تبدو مهمة بسيطة، إلى عمل يومي يحتاج إليه آلاف التجار.

كانت كل طلبية تتحرك عبر سلسلة كاملة من الأشخاص قبل أن تصل إلى العميل.

وهذا ما جعلني أرى التجارة الإلكترونية بصورة مختلفة.

لم تعد بالنسبة إليّ شخصاً يبيع منتجاً من حاسوبه. أصبحت اقتصاداً صغيراً يتحرك خلف الشاشة، ويخلق فرصاً ومشكلات ومهناً جديدة.

في شتنبر 2021، وبعد أكثر من سنة على انطلاق هذه الموجة، أجريت حواراً صحفياً حول مستقبل التجارة الإلكترونية في المغرب. كان عنوانه: «التجارة الإلكترونية: حل لمشكلة البطالة».

لم أكن أرى التجارة الإلكترونية مجرد متاجر تحقق المبيعات، بل منظومة تبدأ بالتاجر وتمتد إلى الدعم والتصوير والإعلانات ومراكز الاتصال والتغليف والشحن. كثير من هذه المهن رأيتها تتشكل أمامي من داخل YouCan.

حوار صحفي مع فؤاد وكاد عن التجارة الإلكترونية والبطالة في المغرب سنة 2021

YouCan في قلب تلك اللحظة

لا أستطيع أن أروي قصة هذه المرحلة من دون YouCan، لأنني عشت التحول من داخلها.

وفي تقديري الشخصي، كانت YouCan خلال تلك المرحلة أهم منصة خرجت من المغرب لخدمة التجارة الإلكترونية المحلية والعربية والإفريقية، ليس فقط بسبب عدد المتاجر التي استضافتها، بل لأنها جعلت إنشاء متجر أمراً ممكناً لشخص لا يعرف البرمجة ولا يملك ميزانية تقنية كبيرة.

لم يكن كل شيء مثالياً، ولم تكن كل الخصائص جاهزة، وقد ارتكبنا أخطاء كثيرة. لكن المنصة كانت تنمو بالتوازي مع سوق يتشكل أمامنا بسرعة.

لقد إرتفع حجم المبيعات الإجمالي الذي مر عبر المتاجر المستضافة على YouCan من 88 مليون دولار في سنة الإطلاق إلى 753 مليون دولار في 2023. هذه بيانات رسمية وليست تقييمي الشخصي، إنها توضح حجم النمو الذي عرفته المنصة بعد تلك البداية.

أستحضر هذه الأرقام وأتذكر جلسة مقهى الخميسات.

أتذكر أنني كنت أسمع الكلمات ولا أفهم معناها، ثم أصبحت بعد أشهر أعيش تفاصيلها يومياً: الطلبات، والشحن، والدعم، والإعلانات، والتجار، والمنتجات، والعملاء الغاضبون والآخرون السعداء بأول عملية بيع في حياتهم.

كورونا سرّعت التحول… لكنها لم تضمن النجاح

يقال كثيراً إن كورونا صنعت طفرة التجارة الإلكترونية. هذا صحيح جزئياً فقط.

الجائحة أجبرت الناس على التجربة، ودفعت التجار إلى البحث عن قنوات أخرى للبيع، وسرّعت تحولاً كان قد بدأ قبلها. لكنها لم تجعل التجارة الإلكترونية سهلة، ولم تحول كل متجر إلى مشروع ناجح.

ما فعلته هو أنها أزالت جزءاً من المقاومة النفسية.

التاجر الذي كان يقول إنه لا يحتاج إلى الإنترنت اضطر إلى تجربته. والعميل الذي كان يرفض الشراء عن بعد وجد نفسه يقوم بذلك. والشاب الذي كان يعتقد أن العمل عبر الإنترنت مجرد وهم رأى أشخاصاً حوله يحققون منه دخلاً حقيقياً.

لكن بعد انتهاء الحجر، بقيت القواعد القديمة للتجارة كما هي.

تحتاج إلى منتج يريده الناس، وعرض مقنع، وثقة، وخدمة جيدة، وحساب دقيق للتكاليف. إذا كنت تدفع خمسين درهماً للحصول على طلب، وتخسر نصف الطلبات بين الرفض والإرجاع، فلن تنقذك أجمل منصة في العالم.

وهذا الجانب لا يظهر كثيراً في فيديوهات الأرباح ولقطات المبيعات.

أغلب رواد التجارة الإلكترونية الذين يصفون انفسهم بالخبراء يظهرون فقط رقم المعاملات، ولكن قليل منهم من يظهر كم بقى له حقا بعد خصم كل مصاريف الإعلانات والشحن والطلبيات المرجعة.

ماذا بقي من تلك الحقبة؟

دخلت التجارة الإلكترونية سنة 2019 وأنا لا أعرف عنها شيئاً تقريباً.

ثم وجدت نفسي داخل منصة تستعد للإطلاق، وبعد أسابيع داخل جائحة غيّرت سلوك المستهلكين والتجار، ودفعت قطاعاً كاملاً إلى النمو بسرعة لم نكن نتوقعها.

لم أكن أراقب تلك الحقبة من الخارج، ولم أقرأ عنها لاحقاً في تقرير. عشتها داخل فرق الدعم والمحتوى والتسويق والمنتج، وسمعت يومياً قصص التجار ومشكلاتهم ومحاولاتهم.

لهذا، حين أسمع اليوم من يقدم التجارة الإلكترونية للشباب على أنها طريق سريع نحو الثروة، أعرف أن نصف القصة قد حُذف.

نعم، صنعت فرصاً حقيقية، وغيرت حياة أشخاص، وساهمت في ظهور خدمات ومهن وشركات جديدة. لكنها صنعت أيضاً خسائر وأوهاماً عند من دخلوها وهم يعتقدون أنها آلة تطبع المال.

كورونا لم تخلق التجارة الإلكترونية في المغرب.

وYouCan لم تجعل كل شخص تاجراً ناجحاً.

لكن الجائحة أجبرتنا على اكتشاف سوق كنا نتردد في دخوله، ومنصة YouCan جعلت الباب التقني لذلك السوق أقرب إلى آلاف الأشخاص.

أما أنا، فقد دخلت من ذلك الباب قبل أن أعرف تماماً إلى أين يقود.

بدأ كل شيء باستقالة من هسبريس، وصديق قديم، ولقاء أول مع السيمو لايف، وجلسة في مقهى بمدينة الخميسات لم أفهم معظم ما قيل فيها.

وبعد سنوات، أدركت أنني لم أكن أستمع إلى عرض عن منصة جديدة فقط.

كنت أستمع إلى بداية حقبة كاملة من التجارة الإلكترونية في المغرب، قبل أن تأتي كورونا وتضغط على زر التسريع.