Fouad ouaggad

عندما يختفي الشغف: رحلتي مع الاحتراق الوظيفي وكيف تجاوزتها

كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحاً عندما وجدت نفسي محدقاً في سقف غرفتي للمرة الثالثة تلك الأسبوع. ليست أرقاً عادياً، بل ذلك النوع من اليقظة المؤلمة المصحوبة بتسارع في نبضات القلب وأفكار متشابكة تركض في عقلي كحيوانات برية مذعورة. غداً – أو بالأحرى اليوم – لدي اجتماع آخر، وعرض تقديمي آخر، ومهام أخرى متأخرة عن موعدها. كيف وصلت إلى هنا؟ متى تحولت الوظيفة التي كنت أستيقظ لأجلها متحمساً إلى كابوس يطاردني حتى في ساعات نومي القليلة؟

أتذكر أيامي الأولى في الشركة كما لو كانت حلماً بعيداً. كنت أصل مبكراً وأغادر متأخراً، ليس لأن أحداً طلب ذلك، بل لأنني كنت مفتوناً بعملي. كانت الأفكار تتدفق كشلال لا ينضب، وكنت أحل المشكلات بمتعة الطفل الذي يفكك لغزاً معقداً. أتذكر كيف كنت أحدث أصدقائي عن مشاريعي بعيون متوهجة، حتى أنهم كانوا يمازحونني بأنني أتحدث عن وظيفتي كمن يتحدث عن حبيبة جديدة.

متى بدأ كل شيء يتغير؟ لم يكن حدثاً دراماتيكياً واحداً. لم أستيقظ صباحاً وقد تبخر شغفي. كان أشبه بالمد ينحسر ببطء، موجة تلو الأخرى، حتى وجدت نفسي أقف على شاطئ جاف. بدأت أتأخر عشر دقائق عن موعد العمل، ثم عشرين، ثم أصبحت أحسب الدقائق المتبقية لنهاية الدوام. اختفت تلك الحماسة لطرح الأفكار في الاجتماعات، وتحولت إلى صمت مطبق ثم تثاؤب مكتوم. بدأت أرى ألواناً رمادية في عالم كان مليئاً بالألوان الزاهية.

في إحدى الليالي، كنت أحدق في شاشة الكمبيوتر وقد امتزجت الكلمات أمام عيني. أصابتني موجة غريبة من الغثيان والدوار. كانت تلك أول نوبة هلع لي. ظننت أنها أزمة صحية، لكن الطبيب أكد لي بعد فحوصات عديدة أن جسدي كان يرسل إشارات واضحة: “توقف. لا يمكننا الاستمرار هكذا.”

المواجهة:

كان عليّ مواجهة الحقيقة القاسية: لقد وصلت إلى مرحلة الاحتراق الوظيفي الكامل. أنا الذي كنت أسخر من زملائي “الكسالى” الذين يغادرون في تمام السادسة، ها أنا الآن أشعر بألم جسدي وذهني لمجرد فتح بريدي الإلكتروني.

في تلك الليلة، جلست على شرفتي الصغيرة، أتأمل المدينة النائمة، وسألت نفسي سؤالاً بسيطاً لكنه عميق: “ما الذي أحببته في عملي يوماً ما؟” كانت الإجابة تختبئ خلف طبقات من الإرهاق والتوتر: أحببت الإبداع، حل المشكلات المعقدة، التعاون مع أشخاص موهوبين، الشعور بأنني أصنع فرقاً. أين اختفت كل هذه العناصر؟

قررت أن أمنح نفسي هدية بسيطة: أسبوع إجازة بعيداً عن كل شيء. لا بريد إلكتروني، لا مكالمات، لا شاشات. سافرت إلى قرية جبلية هادئة، مكان لا يتوقع مني فيه أحد شيئاً. في اليوم الثالث، بينما كنت أحاول إكتشاف ما وراء الجبال، حدث شيء غريب: وجدت نفسي أفكر في حل لمشكلة في العمل كنت أتجنبها لأسابيع. لكن هذه المرة، لم تكن الفكرة مصحوبة بذلك الشعور المعتاد بالضغط والقلق. كانت مجرد فكرة، خطرت على بالي بسلاسة وخفة.

العودة:

عدت من إجازتي وأنا أحمل إدراكاً جديداً: شغفي لم يختفِ تماماً، لكنه اختنق تحت أكوام من التوقعات غير الواقعية التي فرضتها على نفسي، والعادات السيئة التي تراكمت دون وعي، وبيئة عمل تمجد الاحتراق كعلامة على التفاني.

بدأت رحلة استعادة الشغف ببطء، خطوة صغيرة تلو الأخرى. أولاً، وضعت حدوداً واضحة: لا عمل بعد السابعة مساءً، لا بريد إلكتروني في عطلة نهاية الأسبوع. ثانياً، بدأت أختار المشاريع التي تتماشى مع اهتماماتي ومهاراتي بدلاً من قبول كل ما يُعرض علي. ثالثاً، خصصت وقتاً للتعلم والاستكشاف، لمتابعة اتجاهات جديدة في مجالي دون ضغط الإنتاجية الفورية.

لكن التغيير الأهم كان في منظوري: بدأت أنظر للعمل كجزء من حياة متوازنة، وليس كمحور لهويتي بأكملها. اكتشفت من جديد هواياتي المنسية، استثمرت في علاقاتي، وتعلمت أن الراحة ليست كسلاً بل استثماراً في الإبداع والإنتاجية على المدى الطويل.

اليوم، بعد عامين من تلك الليلة التي حدقت فيها في سقف غرفتي، أجد نفسي في موقف مختلف تماماً. لا يزال لدي أيام صعبة، بالطبع. لا تزال هناك مشاريع متأخرة واجتماعات مرهقة. لكن عاد بإمكاني رؤية الألوان في عالمي المهني. عاد بإمكاني الشعور بتلك القشعريرة عندما تخطر على بالي فكرة مبدعة. عاد بإمكاني النوم ليلاً.

قد يبدو الاحتراق الوظيفي كنهاية الطريق، علامة على أنك اخترت المسار الخاطئ، أو أنك لست قوياً بما يكفي. لكنني أدركت أنه يمكن أن يكون بداية لعلاقة جديدة مع العمل – علاقة أكثر صحة واستدامة وإنسانية. علاقة يمكنك فيها أن تحب ما تفعله دون أن تضحي بمن أنت.

فإذا وجدت نفسك تحدق في سقف غرفتك في الثالثة صباحاً، اعلم أنك لست وحدك. اعلم أن الشغف لم يختفِ نهائياً، بل ربما يختبئ تحت طبقات من الإرهاق والضغط، ينتظر منك أن تمنح نفسك الوقت والمساحة لتكتشفه من جديد.

اترك رد

اكتشاف المزيد من مدونة فؤاد وكاد

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading