قبل أيام، اجتمعت مع أصدقاء قدامى في مقهى هادئ وسط المدينة. لم نلتقِ منذ فترة طويلة، وبدأنا نتبادل أخبار حياتنا المهنية. مريم تعمل كصحفية في وكالة أنباء دولية، سعيد مصور فوتغرافي محترف، ليلى تعمل مستقلة في مجال التسويق الرقمي، وأحمد طبيب ناجح. مسارات مختلفة، نجاحات متنوعة، لكن عندما تعمقنا في الحديث، برز خيط مشترك بين قصصنا: جميعنا، بطريقة أو بأخرى، نشعر أننا فقدنا الشغف لما نقوم به.
كانت ليلى أكثرنا صراحة: “في البداية، كنت أستيقظ متحمسة لبدء يوم جديد. الآن أحتاج إلى ثلاثة أكواب من القهوة لأقنع نفسي بفتح الكمبيوتر”. هز أحمد رأسه موافقًا: “أتذكر أيام الجامعة، كنت مستعدًا لقضاء الليالي أتعلم كل ما يخص الطب. اليوم، أجد نفسي أتابع الساعة، أنتظر انتهاء الدوام”.
غادرت ذلك اللقاء وسؤال واحد يتردد في ذهني: لماذا أصبح فقدان الشغف للعمل ظاهرة شائعة في عصرنا؟ لماذا نجد أنفسنا، رغم الفرص الأكبر والإمكانيات الأوسع من أي وقت مضى، نعاني من جفاف عاطفي تجاه ما نقضي فيه ثلث حياتنا؟
بدأت رحلة بحث شخصية، قرأت دراسات، تحدثت مع خبراء، وتأملت في تجارب من حولي. ما وجدته كان مثيرًا للدهشة: لسنا وحدنا. فقدان الشغف للعمل يكاد يكون وباءً خفيًا يجتاح مجتمعاتنا المعاصرة، وأسبابه أعمق وأكثر تعقيدًا مما نظن.
يخبرنا عصرنا الرقمي قصة مغرية عن العمل المثالي: ستجد شغفك، وستحبه كل يوم، وستحقق نجاحًا باهرًا وأنت تفعل ما تحب. نرى هذه القصة في منشورات لينكد إن الملهمة، في سير المشاهير، في مقولات الملهمين على انستغرام: “اتبع شغفك ولن تضطر للعمل يومًا في حياتك”. لكن هذه القصة، مثل صور السعادة المثالية على السوشيال ميديا، تخفي حقيقة أكثر تعقيدًا.
الشغف ليس حالة ثابتة، بل هو كائن حي متقلب، ينمو ويذبل ويتحول مع الزمن. العلاقة مع العمل تشبه أي علاقة أخرى في الحياة – تمر بمراحل من الحماس الشديد، والاستقرار الهادئ، والملل المؤقت، والتجديد. لكن ثقافتنا لا تعترف بهذه الدورة الطبيعية، ما يجعلنا نشعر بالفشل عندما يختفي الحماس الأولي.
أثناء بحثي، اكتشفت أن هناك عوامل عميقة تسهم في انتشار ظاهرة فقدان الشغف في عصرنا. أولها هو تسارع وتيرة الحياة المهنية. عالمنا اليوم يتحرك بسرعة مذهلة. ما كان يستغرق أسابيع يتم إنجازه في ساعات. المراسلات الفورية، الاجتماعات المتتالية، التحديثات المستمرة – كلها تخلق إيقاعًا محمومًا يستنزف طاقتنا العاطفية والذهنية. وكما تعلمنا من علم النفس، الشغف يحتاج مساحة للتنفس. عندما نعمل بلا توقف، لا نمنح أنفسنا فرصة لاستعادة الاتصال بما يحركنا من الداخل.
العامل الثاني هو التشتت الرقمي المستمر. أدمغتنا لم تتطور للتعامل مع سيل المعلومات والمنبهات الذي نتعرض له يوميًا. نحن نعيش في حالة تنبيه دائم – إشعارات، رسائل، أخبار، تحديثات. هذا التشتت المزمن يمنعنا من الانغماس الكامل في أي مهمة، ما يقوّض قدرتنا على الوصول إلى حالة “التدفق” – تلك الحالة السحرية من الانغماس الكامل التي تغذي الشغف وتجدده.
ثم هناك ثقافة “الهاسل” (Hustle culture) وتمجيد الانشغال الدائم. أصبح العمل المتواصل والإرهاق شارة فخر في مجتمعاتنا. نتباهى بقلة النوم، بالعمل في العطلات، بالتضحية بالراحة والعلاقات من أجل الإنتاجية. لكن الشغف لا يزدهر في تربة الإرهاق. إنه يحتاج توازنًا، فترات من العمل المركّز تتناوب مع فترات من الراحة العميقة والتأمل.
وربما الأهم من كل هذا هو انفصالنا المتزايد عن المعنى العميق في العمل. في اقتصادنا المعاصر، أصبحنا أكثر تخصصًا وأكثر انفصالًا عن الصورة الكاملة. نؤدي مهامًا مجردة، نحقق أهدافًا رقمية، نتفاعل مع شاشات أكثر من البشر. نادرًا ما نرى تأثير عملنا المباشر على حياة الآخرين. وبدون هذا الاتصال بالمعنى، يجف الشغف تدريجيًا، مهما كانت المكافآت المادية كبيرة.
لاحظت أيضًا أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا خفيًا في استنزاف شغفنا. نحن نستهلك باستمرار قصص نجاح مثالية، نرى إنجازات الآخرين، نقارن مسيرتنا بالصورة المنتقاة التي يعرضونها للعالم. هذه المقارنة المستمرة تجعلنا نشعر بأن ما نحققه ليس كافيًا أبدًا، أن الآخرين أكثر نجاحًا وسعادة وشغفًا. والمفارقة أن هذا الشعور يدفعنا للعمل أكثر بطريقة ميكانيكية، ما يزيد من انفصالنا عن الدوافع الداخلية الحقيقية.
ربما الجانب الأكثر إثارة للقلق هو أننا أصبحنا نتوقع من العمل ما لا يمكنه تقديمه. في عصر تراجعت فيه الانتماءات التقليدية – الدينية، والمجتمعية، والعائلية – أصبح العمل بالنسبة للكثيرين مصدر الهوية الأساسي. نتوقع منه أن يمنحنا المعنى، والانتماء، والإنجاز، والتقدير، والأمان المالي، والمكانة الاجتماعية. هذه توقعات ثقيلة لا يمكن لأي وظيفة أو مهنة تحملها بمفردها. وعندما لا تتحقق، يأتي خيبة الأمل وفقدان الشغف.
عندما عدت للقاء أصدقائي أول أمس، شاركتهم ما توصلت إليه. ضحك سامي وقال: “أشعر بالارتياح لمعرفة أننا لسنا وحدنا في هذا الشعور”. اقترحت ليلى فكرة جميلة: “ما رأيكم لو توقفنا عن البحث عن الشغف الدائم، وبدلًا من ذلك، نسعى لخلق علاقة أكثر واقعية وتوازنًا مع عملنا؟”
ربما هذا هو التحول الذي نحتاجه: من البحث المحموم عن الشغف الدائم المثالي، إلى بناء علاقة ناضجة ومستدامة مع العمل. علاقة فيها مساحة للحماس والملل، للإنجاز والراحة، للتركيز على الذات وخدمة الآخرين. علاقة تعترف بأن العمل جزء مهم من الحياة، لكنه ليس الحياة كلها.
فقدان الشغف ليس بالضرورة علامة على أننا في المكان الخطأ أو أننا فاشلون. قد يكون دعوة للتأمل، لإعادة الاتصال بما يهمنا حقًا، لخلق توازن أفضل، وربما لتحرير أنفسنا من سردية “الشغف الدائم” التي لا تعكس الطبيعة المتقلبة للعمل الإنساني. وقد يكون تذكيرًا بأنه حتى في أكثر الوظائف التي نحبها، من الطبيعي أن نمر بفترات من الفتور والحماس، تمامًا كما في أي علاقة أخرى نقدرها في الحياة.




