فؤاد وكاد

الكنز المدفون تحت الأقدام: عن المواهب المهملة داخل الشركات

خلال ثلاثة عشر عاماً من تنقلي بين وظائف في شركات مختلفة – صغيرة وكبيرة، محلية وعالمية – لاحظت نمطاً يتكرر بشكل لافت. في كل مكان عملت به، كنت أرى زملاء موهوبين يقدمون أفكاراً جيدة، لتختفي هذه الأفكار في أدراج المدراء. ثم، بعد أشهر، تعود نفس الأفكار تقريباً على لسان مستشار خارجي، لتُقابل بالحماس والتصفيق وميزانيات التنفيذ.

في إحدى شركات التقنية التي عملت بها، كان لدينا مهندس برمجيات يعرف منتجنا بشكل لا يصدق. كان يقترح باستمرار تحسينات ذكية على واجهة المستخدم، مدعومة بملاحظات جمعها مباشرة من مستخدمي النظام. كانت اقتراحاته تقابل بابتسامات مهذبة وعبارات مثل “فكرة ممتازة، سندرسها لاحقاً”. بعد ستة أشهر، استعانت الإدارة بموظف جديد حديث التخرج، لكنه متحدث لبق وبارع في عرض الأفكار. المفاجأة؟ قدم نفس اقتراحات زميلنا القديم، لكن بعرض تقديمي مبهر وتوظيف مصطلحات تقنية رنانة. حصل على الضوء الأخضر للتنفيذ وميزانية مخصصة، رغم أنه لم يمتلك سوى جزء بسيط من خبرة زميلنا.

كلما رأيت هذا النمط يتكرر، كنت أتذكر المثل الشعبي القديم: “مطرب الحي لا يُطرب”.

في جريدة رقمية عملت بها، كانت هناك صحفية شابة تقترح طرقاً مبتكرة لمعالجة القضايا المجتمعية. كانت تؤمن بصحافة عميقة تتجاوز نقل الخبر إلى تحليل أسبابه وتقديم حلول عملية. اقترحت تقارير ميدانية طويلة وملفات استقصائية تستمر لعدة أسابيع، وكانت ترى أن القراء مستعدون لمحتوى أعمق من المقالات السريعة التقليدية.

كانت اقتراحاتها تقابل غالباً بعبارات مثل “الناس لا تقرأ المحتوى الطويل في العصر الرقمي” و”هذا النوع من الصحافة مكلف وبلا عائد مادي”. حتى جاءت شركة استشارية تسويقية لتطوير استراتيجية المحتوى للجريدة. كانت توصيتهم الأساسية؟ التحول نحو “الصحافة العميقة” والقصص الإنسانية المطولة والملفات الاستقصائية، تماماً كما كانت زميلتنا تقترح! قدمت الشركة إحصائيات وأرقاماً تثبت أن هناك جمهوراً متعطشاً لهذا النوع من المحتوى، وتم تخصيص ميزانية كبيرة لتنفيذ الاستراتيجية الجديدة.

في وكالة إعلانية أخرى، كان لدينا مصور شاب يقترح استخدام الهواتف الذكية في تصوير بعض الحملات الإعلانية. كان يؤمن أن بعض المنتجات، خاصة تلك الموجهة للجمهور الشاب، ستبدو أكثر واقعية وقرباً من المستهلك إذا صورت بهذه الطريقة. كان يقدم نماذج رائعة التقطها بهاتفه، لكن الفكرة كانت تقابل بابتسامات متشككة ونظرات متعالية: “نحن وكالة محترفة، ولا يمكننا استبدال معداتنا الاحترافية بهواتف!”.

بعد عام، استعانت الوكالة بمخرج إعلاني شاب من الخارج لإنتاج حملة لمنتج يستهدف جيل الألفية. ماذا كان اقتراحه الثوري الذي أبهر الجميع؟ استخدام الهواتف الذكية في التصوير! تم تنفيذ الحملة وحققت نجاحاً كبيراً، وأصبح استخدام الهواتف “توجهاً إبداعياً جديداً” في الوكالة.

بعد مشاهدة هذا النمط مراراً، بدأت أفكر بعمق: لماذا تتجاهل المؤسسات الكنوز الفكرية التي تدفع لها رواتب شهرية، وتبحث عن الحكمة خارج جدرانها؟

مع الوقت، بدأت أرى أن المسألة ليست مؤامرة ضد المواهب الداخلية، بل هي مزيج من عوامل إنسانية وتنظيمية نراها جميعاً، حتى في حياتنا الشخصية.

  • أولاً، هناك ما أسميه “تأثير الغريب”. كلنا نميل لإعطاء وزن أكبر للرأي القادم من خارج دائرتنا المعتادة. في الحياة اليومية، قد نتجاهل نصيحة صديق قريب، لنتقبل نفس النصيحة من شخص نعتبره “خبيراً”، حتى لو لم تكن لديه معرفة أكبر.
  • ثانياً، الألفة تجعلنا نرى الشخص بكل عيوبه وأخطائه وتردده. زميلنا الذي نراه يومياً يشرب القهوة، يتعثر في عرض تقديمي، يمر بيوم سيئ – يصعب علينا رؤيته كـ”خبير”. بينما يظهر الوافد الجديد أو المستشار الخارجي في صورة محترفة مصقولة دائماً.
  • ثالثاً، لاحظت أن هناك ما يشبه “سحر الكلمات”. بعض الأشخاص، رغم قلة خبرتهم، يمتلكون مهارة استثنائية في تغليف الأفكار العادية بمصطلحات براقة وعبارات رنانة تخلق انطباعاً بالعمق والابتكار. يمكن لموظف جديد أو مستشار خارجي أن يقدم نفس فكرة الزميل القديم، لكن بلغة أكثر إبهاراً، فتبدو وكأنها اكتشاف جديد.
  • رابعاً، وجدت أن هناك في ثقافتنا تقديراً مبالغاً فيه لكل ما هو “خارجي”. نراه في تعاملنا مع المنتجات الأجنبية، الشهادات الدولية، حتى في ميلنا لتصديق الخبر القادم من بعيد.
  • خامساً، بعض المواهب الداخلية (وأعترف أنني كنت منهم) تفتقر لمهارات تسويق الأفكار. نقدم الفكرة مباشرة، بدون “تغليف” جذاب، بينما القادم الجديد يقدمها مع عرض ملون، ولغة واثقة، ومصطلحات مبهرة.

لكن في رحلتي المهنية، رأيت أيضاً استثناءات مشجعة – مدراء ومؤسسات استطاعت كسر هذا النمط.

في إحدى الشركات التي عملت بها، كان المدير يتبع نهجاً مختلفاً. كان لديه ما أسماه “نقاش حر” – اجتماع أسبوعي مخصص فقط للاستماع لأفكار الفريق. الأهم أنه كان يمنح الفكرة الواعدة فرصة حقيقية للتجربة – مساحة آمنة للتطبيق والتعلم من الأخطاء.

في شركة أخرى، كانت هناك سياسة ذكية: عند الاستعانة بمستشارين خارجيين، كان لابد من تكوين فريق مشترك مع الكفاءات الداخلية. الهدف ليس فقط تنفيذ المشروع، بل نقل المعرفة في الاتجاهين. كانت النتيجة مزيجاً رائعاً من الخبرة الخارجية الجديدة والمعرفة الداخلية العميقة.

في تجربة أخرى، كان هناك نظام “التدوير الوظيفي المؤقت” – يتم نقل موظفين موهوبين للعمل في أقسام أخرى لفترة محدودة. هذا منحهم “هالة الغريب” في البيئة الجديدة، مع الاحتفاظ بمعرفتهم العميقة بالشركة ككل.

خلال هذه السنوات، تعلمت دروساً مهمة عن كيفية التعامل مع هذه الظاهرة من موقعي كموظف:

  • أولاً، تطوير مهارات عرض الأفكار. تعلمت أن الفكرة الجيدة وحدها لا تكفي – طريقة تقديمها مهمة بنفس القدر. بدأت أستثمر وقتاً أطول في إعداد العروض، استخدام البيانات المقنعة، ربط الفكرة بأهداف المؤسسة الاستراتيجية.
  • ثانياً، بناء تحالفات داخلية. وجدت أن الفكرة تكتسب زخماً أكبر عندما تأتي مدعومة من زملاء من أقسام مختلفة. أصبحت أشارك أفكاري مع زملاء موثوقين قبل طرحها رسمياً، وأعدل فيها بناءً على ملاحظاتهم.
  • ثالثاً، توثيق الأفكار. بدأت أرسل أفكاري كتابةً في رسائل بريد إلكتروني أو وثائق رسمية، حتى إذا لم يتم تبنيها الآن، فستظل مسجلة ويمكن الرجوع إليها لاحقاً.
  • رابعاً، تعلمت ألا أتخذ الأمر بشكل شخصي. أحياناً، رفض الفكرة لا يعني رفض صاحبها، بل قد يكون لأسباب تنظيمية أو توقيت غير مناسب.
  • خامساً، وربما الأهم، التركيز على نجاح الفكرة لا على نسبتها إلي. وجدت أن الرضا الحقيقي يأتي من رؤية فكرتي تتحول إلى واقع يحسّن العمل، حتى لو لم يتذكر أحد أنني صاحبها الأصلي.

في النهاية، أعتقد أن ظاهرة “مطرب الحي لا يُطرب” ليست حتمية، بل يمكن التغلب عليها من طرفي المعادلة – المؤسسات والموظفين.

المؤسسات الذكية هي التي تدرك أن أفضل الحلول غالباً ما تنبع من الجمع بين المعرفة الداخلية العميقة والمنظور الخارجي الجديد. والموظفون الأذكياء هم من يفهمون ديناميكيات صناعة القرار، ويطورون قدرتهم على تقديم أفكارهم بطرق أكثر تأثيراً.

بعد كل هذه السنوات، أؤمن أن مطرب الحي يمتلك ميزة فريدة لا يمكن للقادم من بعيد امتلاكها – فهم عميق لإيقاع المكان ونبضه الحقيقي. وعندما يتعلم كيف يُسمع صوته بشكل صحيح، يمكنه أن يطرب الحي والعالم بأسره.

اترك رد

اكتشاف المزيد من مدونة فؤاد وكاد

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading