فؤاد وكاد

لماذا يحتاج الموظف العادي إلى علامة تسويقية شخصية؟

قبل شهرين، اتصل بي صديق قديم. كان يعمل معي في إحدى تجاربي السابقة منذ ثماني سنوات. موظف ممتاز، يعرف عمله جيداً، ملتزم ودقيق. قال لي بنبرة محبطة: “فؤاد، قدمت على عشرين وظيفة في الشهرين الأخيرين. لم يرد علي أحد.”

سألته: “هل لديك حساب على LinkedIn محدث؟”

قال: “نعم، لكنه مجرد سيرة ذاتية.”

“وهل تكتب أو تنشر أي محتوى؟”

“لا… أنا موظف عادي، ليس لدي ما أقوله.” وهنا كانت المشكلة بالضبط.

صديقي كان يظن أن العلامة الشخصية شيء للمشاهير أو أصحاب الشركات. لم يدرك أن في سوق العمل اليوم، إذا لم تكن ظاهراً، فأنت غير موجود.

السيرة الذاتية لم تعد كافية

كنت أعمل في الصحافة قبل سنوات. وقتها، كانت السيرة الذاتية كافية. ترسلها عبر البريد الإلكتروني، وتنتظر الرد.

اليوم؟ الأمر اختلف تماماً.

حين يبحث مدير التوظيف عن موظف جديد، أول ما يفعله ليس قراءة السيرة الذاتية. بل البحث عن اسمك على Google. يدخل إلى LinkedIn، يتصفح منشوراتك، يقرأ تعليقاتك، يحاول أن يفهم: من أنت حقاً؟

لو كان حسابك فارغاً، أو مجرد سيرة ذاتية جافة، ماذا سيكون انطباعه؟

أنك شخص عادي، لا يختلف عن مئات المتقدمين الآخرين.

لكن لو وجد محتوى ينشره، تفاعلاً مع مواضيع في مجالك، رأياً واضحاً حول قضية تخص عملك؟ هنا ستصبح مختلفاً. وفي سوق العمل، الاختلاف هو كل شيء.

“أنا موظف عادي، ليس لدي ما أقوله” هذه الجملة أسمعها كثيراً. وهي خاطئة تماماً.

دعني أخبرك بقصة حقيقية.

قبل سنة، كنت أبحث عن شخص للانضمام لفريق المحتوى في Done. وصلتني عشرات السير الذاتية. كلها متشابهة: “خبرة 3 سنوات في كتابة المحتوى، إجادة اللغتين العربية والإنجليزية…”

ثم وجدت شخصاً على LinkedIn، ليس لديه سيرة ذاتية مبهرة، لكنه كان ينشر باستمرار.

ينشر عن تجاربه في الكتابة. يشارك دروساً تعلمها من أخطائه. يكتب عن كيف كتب محتوى لم ينجح، وماذا تعلم منه.

لم أحتج لمقابلة طويلة. من خلال منشوراته، عرفت أنه يفهم ما يفعل. عرفت أنه يفكر، يتعلم، ويتطور.

اتصلت به مباشرة. وولكن للإسف رفض عرضي لان لديه عروض كثيرة والعرض الذي قدمته له أقل من الناحية المادية.

ما الذي ميزه؟ ليس خبرته، بل ظهوره.

بناء العلامة الشخصية ليس تسويقاً، بل تواصلاً

كثيرون يظنون أن “العلامة الشخصية” تعني أن تبيع نفسك طوال الوقت، أن تتظاهر بأنك مثالي، أن تنشر إنجازاتك باستمرار. لا. هذا ليس ما أقصده.

العلامة الشخصية الحقيقية هي أن تكون حاضراً، أصيلاً، ومفيداً.

لا تحتاج لأن تكون خبيراً عالمياً. تحتاج فقط أن تشارك ما تعرفه، ما تتعلمه، وما تمر به.

حين تعمل على مشروع وتواجه مشكلة، ثم تجد لها حلاً… اكتب عنها.

حين تقرأ مقالاً مفيداً في مجالك… علّق عليه برأيك.

حين تتعلم أداة جديدة أو تقنية جديدة… شارك تجربتك.

كل هذا يبني صورة عنك. صورة شخص يتعلم، يتطور، ويتفاعل مع مجاله. وحين يأتي الوقت للبحث عن فرصة جديدة، لن تكون مجرد اسم على ورقة. ستكون شخصاً حقيقياً يعرفه الناس ويثقون به.

الفرص لا تأتي من السير الذاتية، بل من العلاقات

أحد أكبر الدروس التي تعلمتها في مسيرتي: أفضل الفرص لا تُنشر في إعلانات الوظائف.

أفضل الفرص تأتي من شخص يعرفك، يتابع ما تنشره، ويثق في قدراتك. ثم يتواصل معك مباشرة: “نحن نبحث عن شخص مثلك.”

هذا حدث معي عدة مرات. وحدث مع أشخاص أعرفهم.

لكنه لن يحدث معك إذا كنت غير ظاهر.

حين تبني علامة شخصية، أنت لا تبحث عن وظيفة. أنت تبني شبكة علاقات. وهذه الشبكة هي التي ستفتح لك الأبواب، حتى قبل أن تطرقها.

كيف تبدأ؟ خطوات بسيطة وعملية

أعرف ما تفكر فيه الآن: “جميل، لكن من أين أبدأ؟”

الخبر الجيد: لست بحاجة لاستراتيجية معقدة أو ميزانية ضخمة. تحتاج فقط للبدء.

  1. حدّث حساباتك على LinkedIn:
    ليس مجرد سيرة ذاتية. أضف صورة احترافية، اكتب نبذة تعكس شخصيتك وتجربتك، وضّح ماذا تفعل ولماذا تحبه.
  2. انشر بانتظام (ولو مرة أسبوعياً):
    لست بحاجة للنشر كل يوم. لكن حاول أن تكون حاضراً. اكتب عن شيء تعلمته، مشكلة حللتها، أو حتى سؤال يدور في ذهنك.
  3. تفاعل مع الآخرين:
    علّق على منشورات في مجالك. شارك رأيك بطريقة بناءة. هذا يظهرك للناس ويبني علاقات حقيقية.
  4. كن أصيلاً، لا تتظاهر:
    لا تحاول أن تبدو مثالياً. شارك النجاحات والأخطاء. الناس يثقون في من يظهر إنسانيته، لا في من يدعي الكمال.
  5. استمر:
    بناء العلامة الشخصية ليس سباق سرعة. إنه ماراثون. قد لا ترى النتائج في الأسبوع الأول، لكن بعد شهور، ستلاحظ الفرق.

ليست المسألة “هل تحتاج لعلامة شخصية؟” بل “متى ستبدأ؟”

صديقي الذي اتصل بي قبل شهرين، بدأ يطبق هذه الخطوات.

حدّث حسابه على LinkedIn. بدأ ينشر مرة أسبوعياً عن تجاربه في العمل. بدأ يعلّق على منشورات في مجاله.

قبل أسبوعين، اتصل بي مرة أخرى. لكن هذه المرة بنبرة مختلفة تماماً:

“فؤاد، تواصل معي مدير توظيف من شركة كبيرة. قال إنه يتابع ما أنشره منذ شهر، وأعجبه أسلوبي. طلب مني أن نتحدث عن فرصة.”

لم يقدم على الوظيفة. الوظيفة جاءت إليه.

وهذا بالضبط ما تفعله العلامة الشخصية.

أنت أكثر مما يظهر في سيرتك الذاتية

لا تنتظر حتى تصبح “خبيراً” لتبدأ ببناء علامتك الشخصية.

ابدأ الآن. من حيث أنت. بما تعرفه.

شارك. تفاعل. كن حاضراً.

في عالم اليوم، أن تكون جيداً في عملك لا يكفي. يجب أن يعرف الناس أنك جيد.

والطريقة الوحيدة لذلك هي أن تبني علامة شخصية تعكس من أنت حقاً، وما تستطيع تقديمه.

تذكر: الفرص لا تذهب لمن ينتظر في الظل، بل لمن يظهر في النور.

اترك رد

اكتشاف المزيد من مدونة فؤاد وكاد

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading