غالبًا لا يبدأ الأمر كقصة سيئة. على العكس تمامًا، يبدأ بلحظة تشعر فيها أن شيئًا ما قد يكون مختلفًا هذه المرة. لقاء هادئ، حديث طويل، أفكار تتقاطع بسهولة مقلقة، وشخص أمامك يتحدث عن مشروعه بنفس الشغف الذي كنت تتحدث به يومًا عن نفسك حين كنت تؤمن أن العمل الجاد وحده يكفي. لا تشعر أنك في مقابلة عمل، بل في مساحة مشتركة، كأنكما تتحدثان عن حلم واحد من زاويتين مختلفتين. في كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في المشروع نفسه، بل …
Blog Posts
كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحاً عندما وجدت نفسي محدقاً في سقف غرفتي للمرة الثالثة تلك الأسبوع. ليست أرقاً عادياً، بل ذلك النوع من اليقظة المؤلمة المصحوبة بتسارع في نبضات القلب وأفكار متشابكة تركض في عقلي كحيوانات برية مذعورة. غداً – أو بالأحرى اليوم – لدي اجتماع آخر، وعرض تقديمي آخر، ومهام أخرى متأخرة عن موعدها. كيف وصلت إلى هنا؟ متى تحولت الوظيفة التي كنت أستيقظ لأجلها متحمساً إلى كابوس يطاردني حتى في ساعات نومي القليلة؟ أتذكر أيامي الأولى في …
خلال الأسابيع الأخيرة، شهد المشهد البصري في المدن المغربية الكبرى ظاهرة تسويقية لافتة تمثلت في انتشار لوحات إعلاني ضخمة تحمل اللون الأحمر وعبارة مقتضبة: “لون جديد… واللي جاي جديد”. غابت عن هذه اللوحات التي انتشرت في الرباط والدار البيضاء وطنجة ومراكش وفاس أي علامات تعريفية تقليدية – لا شعار، لا اسم شركة، لا هاشتاغ يوجه المستهلكين نحو منصات رقمية. فقط لون أحمر صارخ، وعبارة غامضة، وصورة لشخصية شبابية في وضعية استرخاء تعكس ثقة وعصرية. هذه الظاهرة التسويقية استدعت تحليلاً متعمقاً …
منذ أسبوع، جلست مع ياسين، موظف في قسم المبيعات. طلب مني مساعدته في بناء علامته الشخصية. سألته: “ما الذي يميزك عن باقي موظفي المبيعات؟” فكر طويلاً، ثم قال بتردد: “لا أعرف… أنا أقوم بعملي بشكل جيد، لكن ليس لدي شيء مميز حقاً.” قلت له: “حسناً، أخبرني عن آخر عملية بيع صعبة نجحت فيها.” بدأ يحكي. وفي خمس دقائق، اكتشفنا معاً شيئاً مهماً: ياسين لا يبيع بالطريقة التقليدية. هو يستمع أولاً. يفهم المشكلة الحقيقية للعميل، حتى لو لم يكن العميل نفسه …
قبل شهرين، اتصل بي صديق قديم. كان يعمل معي في إحدى تجاربي السابقة منذ ثماني سنوات. موظف ممتاز، يعرف عمله جيداً، ملتزم ودقيق. قال لي بنبرة محبطة: “فؤاد، قدمت على عشرين وظيفة في الشهرين الأخيرين. لم يرد علي أحد.” سألته: “هل لديك حساب على LinkedIn محدث؟” قال: “نعم، لكنه مجرد سيرة ذاتية.” “وهل تكتب أو تنشر أي محتوى؟” “لا… أنا موظف عادي، ليس لدي ما أقوله.” وهنا كانت المشكلة بالضبط. صديقي كان يظن أن العلامة الشخصية شيء للمشاهير أو أصحاب …
قبل أيام، اجتمعت مع أصدقاء قدامى في مقهى هادئ وسط المدينة. لم نلتقِ منذ فترة طويلة، وبدأنا نتبادل أخبار حياتنا المهنية. مريم تعمل كصحفية في وكالة أنباء دولية، سعيد مصور فوتغرافي محترف، ليلى تعمل مستقلة في مجال التسويق الرقمي، وأحمد طبيب ناجح. مسارات مختلفة، نجاحات متنوعة، لكن عندما تعمقنا في الحديث، برز خيط مشترك بين قصصنا: جميعنا، بطريقة أو بأخرى، نشعر أننا فقدنا الشغف لما نقوم به. كانت ليلى أكثرنا صراحة: “في البداية، كنت أستيقظ متحمسة لبدء يوم جديد. الآن …
خلال ثلاثة عشر عاماً من تنقلي بين وظائف في شركات مختلفة – صغيرة وكبيرة، محلية وعالمية – لاحظت نمطاً يتكرر بشكل لافت. في كل مكان عملت به، كنت أرى زملاء موهوبين يقدمون أفكاراً جيدة، لتختفي هذه الأفكار في أدراج المدراء. ثم، بعد أشهر، تعود نفس الأفكار تقريباً على لسان مستشار خارجي، لتُقابل بالحماس والتصفيق وميزانيات التنفيذ. في إحدى شركات التقنية التي عملت بها، كان لدينا مهندس برمجيات يعرف منتجنا بشكل لا يصدق. كان يقترح باستمرار تحسينات ذكية على واجهة المستخدم، …
تخيل معي مشهداً: شخص يجلس في سيارته وسط زحمة المرور، يدير زر الراديو القديم ويجد محطة تبث برنامجاً ثقافياً عميقاً. في عالم مليء بمنصات البث الرقمي والبودكاست وخدمات الموسيقى التدفقية، لا يزال الراديو حاضراً، نابضاً بالحياة، مؤثراً.هذا هو حال المدونات اليوم. في عصر أصبح فيه الفيديو ملكاً والمحتوى القصير إمبراطوراً والذكاء الاصطناعي ينتج محتوى لا نهائياً، تظل المدونات تلك المساحة الخاصة، العميقة، المتأنية – كالراديو الذي رفض أن يموت رغم كل التنبؤات.ولكن لماذا يجب على المحترفين في مجالات إنشاء المحتوى …
أتذكر تلك الليلة جيداً. كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل، والسكون يلف العالم من حولي، بينما كنت أبحر في أرشيف مدونتي القديمة – تلك التي بدأتها دون هدف واضح قبل عشر سنوات. ضوء الشاشة الخافت يضيء وجهي، وأنا أقلب في صفحات الماضي، صفحة تلو الأخرى. قرأت تدوينة كتبتها بحماسة عن مشروع انتهى بالفشل، ثم أخرى عن كتاب قلب حياتي رأساً على عقب، ثم ثالثة عن رحلة عابرة لم تعد تسكن ذاكرتي.فجأة، وكأن صاعقة أصابتني، شعرت بدهشة عميقة تسري في أوصالي! …
في أحد الاجتماعات الأخيرة، جاءني أحد الزملاء متحمساً: “فؤاد، شفت؟ كتبت ثلاث مقالات في ساعة واحدة بالذكاء الاصطناعي!” قلت له: “رائع. والنتائج؟” توقف قليلاً، ثم قال بخيبة أمل: “صراحة… لم يتفاعل معها أحد.” وهنا توقفت. ليست هذه المرة الأولى التي أسمع فيها هذه القصة. المشكلة ليست في الأداة. المشكلة أننا نسينا شيئاً أساسياً: الآلة تنفذ، لكن الإنسان هو من يعطي المعنى. كلنا أصبحنا نملك نفس السلاح منذ سنتين، لو أردت تصميماً احترافياً، كنت تحتاج مصمماً محترفاً. اليوم؟ أي شخص يستطيع …
أتساءل أحياناً: متى بالضبط أصبح عالمنا العربي مليئاً بالخبراء في كل المجالات؟ أذكر أنني فتحت لينكد-إن ذات صباح لأجد أن نصف معارفي قد أضافوا لقب “خبير” أو “مستشار” أو “متخصص” لملفاتهم الشخصية. وعندما أتصفح انستجرام، أجد عشرات “خبراء التسويق” و”مستشاري الأعمال” و”رواد ريادة الأعمال” الذين ظهروا فجأة، كفطر بعد المطر. المضحك المبكي أن كثيراً منهم لم يمض على تخرجهم سوى عامين، والبعض الآخر لم يعمل يوماً في الشركات التي يقدمون استشارات حول كيفية إدارتها. لكن هذا لم يمنعهم من نشر …
في إحدى الليالي الصيفية، كنت أتصفح هاتفي، أنتقل من تطبيق لآخر في رحلة لا نهاية لها من المحتوى اللامتناهي. صور تتلاشى، فيديوهات تنتهي، تعليقات تُنسى بعد ثوانٍ. شعرت وكأنني أغرق في محيط رقمي لا قرار له. ثم توقفت فجأة وسألت نفسي: “أين ذهبت كلماتي؟ أين ذهبت أفكاري الحقيقية؟” تلك اللحظة، تذكرت مدونتي القديمة. تلك المساحة التي كنت أسكب فيها أفكاري بلا حدود، ذلك المكان الذي كان ملكي وحدي. فتحتها، وبدأت أقرأ كلماتي من سنوات خلت. كانت لحظة سحرية – كأنني …

















تابعني على: